هنالك وآبا إلى بلدهما بعد تحصيلهما للعلوم العقلية وهما أصغر منه سنا ، انتظم معهما ، وصاروا يدرسون في هذه الفنون فحصل مقدارا وافيا ، لما يؤمله كافيا ، ثم بعد ذلك جعل مكابدته بهذه الآلات في مباحث الفقه وأقاويله ، وترجيح كل من اجتهد في جيله ، ومع هذا كانت له دروس كثيرة في الحديث ، والفقه ، وعلم التوحيد ، والنحو والمعاني ، والبيان ، والمنطق ، والفرائض له دول فيها ، وفي صحيح الإمام البخاري رضي اللّه عنه بعد صلاة الصبح في روضة سيدنا أبي زمعة الصّحابي رضي اللّه عنه ، وبعدها دولة في المختصر ، وشرحين عليه إما الشيخ الخرشي أو الشيخ الدّردير ، فالأول معه حاشية الشيخ الصعيدي ، والثاني معه حاشية الشيخ الدّسوقي رضي اللّه عن جميعهم ، ثم دولة في ضريح الولي الصالح سيدي عبيد في المختصر ، ودرس فيه أياما مختصر السعد في المعاني والبيان ، ثم بعد العصر في الجامع الأعظم ، كان ملازما مع جماعة في الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم بعده له درس بابن عقيل على الألفية في مسجد سيدي علي الأنصاري جاره ، ثم بين المغرب والعشاء له درس في الفقه بمسجد سيدي عبد الجبار السرتي ختم فيه كتبا كثيرة فيه وفي التوحيد والمنطق والوعظ ، وتحضر عليه في جميع الدول المذكورة جميع من بالقيروان طلبة وكثير من العوام انتفعوا به في عبادتهم ، هذا كله مع اشتغاله بنفوذ الأحكام ، وكان في تصريفها لا تأخذه في اللّه لومة لائم . وهذا الشيخ كان والده مسنّا وله زوجتان وبكبره أيس من ولادته وكان في زمن الشيخ العلامة القاضي بالقيروان أبي محمد حمودة الوحيشي وجاء ركب من فاس قاصدا للحجّ ، وأخبر القاضي المذكور أنّ شيخ الرّكب له صلاح كبير ، وأنه من الأولياء المتصرّفين ، فلم يرض القاضي المذكور بإرسال أحد إلا والد شيخنا هذا لمعرفته وصلاحه فوجهه إليه ، فلما حلّ بين يديه سلّم عليه فردّ عليه ردا خفيفا فتكلم معه فلم يرد عليه جوابا فقال لأصحابه ، ما له لا يتكلم وأنا قصدته لأغراض ؟ فقالوا له : الذي تريده اكتبه له في بطاقة ويجاوبك هو بلسان القلم . فكتب اطلب من اللّه سبحانه ببركاتكم معا ، فأتي من هذا الوظيف لأنه كان قائدا بالقيروان ، والثانية حفظ بصري إلى أن ألقى اللّه سبحانه ، والثالثة إني فريد ، وليس عندي ولد أطلب اللّه سبحانه ببركاتكم أن يرزقني ولدا عاملا صالحا ، انتفع به بعد مماتي ، وأعطاها إلى الشيخ فكتب له تحتها الليلة أستخير اللّه على ذلك فرجع إلى البلاد ، وأخبر الشيخ الوحيشي بما رآه منه ، ثم إن والد الشيخ هذا في حينه عمل له نصيبا من الخبز وما يلزمه وعنده قلّة سمن ورثها
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان — صفحة 220
مساهمون: محمد بن صالح الكناني
ص٢٢٠