صلاح ما ترجى به بركاته ، لسانه ذاكر ، وقلبه شاكر ، فتجمّل بحلّة الطريقة التهامية بعزمات قوية ، وله مواعظ يبديها ، ولطائف يرويها ، ويصوم أكثر السّنة ، وما يرى في مجلسه إلا ذكر اللّه تعالى ، أو تاليا لكلامه القديم ، مات هذا السيد غرّة رمضان عام ستة وسبعين ومائتين وألف .
196 - أبو عبد اللّه الشيخ القاضي محمد ابن الحاج محمد المعيلل التميمي :
قلت في الديباجة : قاضيّ في أحكامه ، مصيب وله من أسرار شيخنا الجيلي نصيب ، تجمّل بحلّة طريقته السنية ، وخدمها بأصدق نية ، وكان رحمه اللّه يبر بأصحابها ، ويعظّم جنابها لعلّ اللّه سبحانه ينفعه بها ، رحمه اللّه في قضائه لا يبالي أحد في حق ، ويمكنه من المستحق ، وقبل قضائه كل الموثقين عيّال عليه ، وهو العمدة . وفكره من قوة الحفظ ، هو العدة مات رحمه اللّه عام خمسة وسبعين ومائتين وألف في حضور لتلاوة القرآن العظيم . انتهى ما بالديباجة .
وقلت : كان يقرأ المولد في زاوية شيخنا سيدي عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنه . وله في قراءة السّيرة مساق حسن يجذب القلوب إلى محبة أعظم محبوب صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم إنه يقرأ لهم وشعول الزاوية ، أكثره عليه ، ومهما عملوا موكبا ، ويلزمهم مصروف يؤدي هو الأكثر ، ويتعرض له الجماعة فلا يحبون الأخذ منه فيحلف لهم بقبولها منه ، ويحلف ليلة الختم على الطعام لا يبعثوا لداره شيئا منه ويقول لهم : استروا وجوهكم في هذا الموكب الذي يحضر له جم غفير من البلاد ، ولقد كان رجل من المثريين جاءه بأربعين ريالا وقال له : خذها لنفسك أنت تخصك ، فحلف أن لا يأخذها وقال له : إن قراءتي نرجو بها لنفسي ، ثم نبيعها بالدراهم .
ولما كبر به المرض بعث إلي وإلى الشيخ الفاضل أبي الفلاح صالح الجودي فقال : جعل اللّه فيكما البركة في إنك أنت تنوب علي على الجماعة القادرية في ترتيب أحوالهم في قراءة الأحزاب والأوراد ، والشيخ ينوب علي في قراءة المولد ، فإني لا أحبّ تفريق الجماعة ، ولا يمكن اجتماعهم إلا بمن ينوب عني ، ولا أحب قراءة المولد تبطل من الزاوية فأجبناه لما طلب . ثم إنه طال به المرض أكثر من سنة حتى توفي رحمه اللّه .