الشيخ عبادة لم يترك لي مقاما فيها ، وجاء مكتوبي في هذه النواحي وسمعت بوفاته ولم أعلم في أي وقت كانت وفاته ولا دفينه في أي محل رحمه اللّه ، بل نقلت أنه دفن بزاوية شيخنا سيدي عبد القادر رضي اللّه عنه التي بدرب الزيتون بتونس المنسوبة إلى الخيارية .
182 - أبو عبد اللّه الشيخ محمد عيسى المغربي :
قال الحربي : كان رحمه اللّه رجلا صالحا ، مجذوبا ، لا يعرف بيعا ولا شراء ، ولا أخذا ، ولا عطاء ، وليس له مسكن يأوي إليه أين جنّ عليه الليل بات . أخبرني الفقيه العدل أبو بكر البريشني قال : بات عندي ليلة بداري فاستيقظت آخر الليل فسمعته يقرأ في القرآن العظيم قراءة حسنة مرتّلة ، والحال أنّه معروف عند الناس بأنه رجل أمّي لا يقرأ شيئا . وكان رحمه اللّه مكث مدة طويلة يدور كل يوم بأسواق مدينة القيروان وهو يقول : تموت بسمّ اللّفاع ، فسمع منه خلق كثير هذا الكلام وبعد مدة ، ترك ذلك وجاء الخبر من تونس ، أن الأمير حمودة باشا ، مات مسموما .
قلت : قوله : أمّيّا بل أكثر من ذلك ، إذا سأله أحد يقول : ما ندري ، وإذا سئل عن حاله يقول : بخير مدة حياته ، هكذا لم يسمع منه أحد غير هذا إلا قراءة القرآن خفية ، ويعثرون عليه ، وسمعه كثير من الناس ، وكان رحمه اللّه تعالى مجذوم الرّجلين ، وإذا سقطت دودة تناولها بيده ، وردها إلى مكانها . ورأيت منه كرامة عجيبة ، وهو أن الشيخ احتجب في آخر عمره بداره التي دفن بها ، ومدة احتجابه يسكن بها رجل وذريته إلى الآن ، وإن الرجل لما أراه في حياة الشيخ أقول له سلم لي على الشيخ ، فجاءني مرة الرجل وقال : الشيخ يدعوك لتأتيه ، فعجبت من هذا حيث نعرف حالته المذكورة أعلاه . وقلت في نفسي : لعلّ الرّجل قال ذلك من عند نفسه ، فذهبت إليه معه فوجدته ملتفا في سفساري كالكفن ، فقال له الرجل : ها هو جاءك فلان ، فجلس وقال لي على السلامة فقلت له : اللّه يسلمك فقال لي : امش زر فقلت له : يا سيدي من أزور ؟ فقال : سيدي أبا الحسن القابسي . فقلت له : في أي وقت ؟ فقال : خبز الشعير ، والعادة عندنا طيابه عند الضحى ، فودعته وخرجت فألهمني اللّه سبحانه بعد ما زرت سيدي أبا الحسن القابسي رضي اللّه عنه أن قلت في ضميري : هذا ما خصص زيارتي للشيخ القابسي ، لأنه قال في حقه الشيخ ابن ناجي : وأما محبته في النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فشئ لا يطاق ، فإن الشيخ يحرضني