رحمه اللّه فقيها ، فاضلا ، محدّثا ، مدرّسا ، فرضيّا ، نوازليّا ، موثّقا ، خيّرا ، ثقة ، ذا خلق حسن ، ناثرا ، حافظا ، ناظما ، وهو الذي رثى عمّه ، ووالده ، كما تقدم . وولي رحمه اللّه تعالى إمامة الجامع الأعظم ، والخطبة ، وولي الفتيا بمدينة القيروان أيضا ، وعلا قدره ، وعظم شأنه ، إلى أن ولي كبير أهل الشورى بالمدينة ، وحاز رياسة وقته ، وله شهرة تامة . توفي رحمه اللّه تعالى فجر المولد الشريف الموافق ليوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول الأنور بمولده صلّى اللّه عليه وسلم عام اثنين وستين ومائتين وألف ، وصلّى عليه أخوه للأب ؛ إمام الجامع الأعظم بعده العلامة الشيخ أبو عبد اللّه محمد بالفتح بمصلّى باب سلم في جمع غفير لا يحصى كثرة ، وازدحم الناس على نعشه ، ورفع على الأعناق ، ورفع نعشه آغة عسكر النظام بمدينة القيروان ، وكاهيتها ، ودار بنعشه عسكر النظام يصدون الناس عن النعش ، ولولا ما ذكر لكسر نعشه ، ودفن ضحى يوم الثلاثاء الموالي ليوم الاثنين المذكور بحوطة الشيخ الطوير مع جده للأم ، وخاله المذكورين بطرف الرمادية من شرقيها مما يلي الطفالة ، وقبره بها معروف مزار رحمة اللّه عليه ، ورثاه الفقيه الأعدل ، الناظم أبو عبد اللّه محمد الصيد المناري بمرثية أشار فيها إلى تاريخ وفاته ، مع ذكر بعض أوصافه وهي :
تيقظ ويقظ بالتذكر إن تقوى * وقل لأخي الحجا تزود من التقوى
ودع عنك ما يهوى حياتك من سما * ودبر دواء قبل أن تهجم الأدوا
أيسمو الفتى والموت يرصد من بها * وما إن يبالي أحولا كان أو أحوى
ألم تر مولى ذا الضريح إمامنا * محمد صدام كبير ذوي الفتوى
تولى عن الدنيا بهمة راغب * مشوق لمأوى يستقر به المثوى
وها هو قد وافى الثّرى وثوى به * يراقب من مولى ثوابه ما يهوى
على أنه قد كان حبر زمانه * يفك عويصات القضايا لدى الدعوى
وإنه في الفتوى بمذهب مالك * ومأخذها الأقوى أخو الساعد الأقوى
وأما بديع النظم فهو خليله * يمل على الأكفا يرى عور الأقوى
فزره وسلّم داعيا له سائلا * لنا أجمعا نعمى رضى عالم النجوى
وإن أخا نجواك قال له الرجا * وآمال من ظن الجميل بمن سوى
أصيدا عما عوفيت أرخ محمدا * سيجزى بإحسان وحسنى لدى المأوى