تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
فقال : وجدي لا أخرج من هنا إلا ما تزيلون هذا الحزن ، فأذن الباشا بزواله فولولت الخديمات ، والعبيد ، وفرحت الناس واشتد بهم الشوق ، حتى صارت دموع الأكثر منهم تتناثر من الجذب الذي حلّ في قلوبهم من حسن تراسل المشوقين بألحانهم المحركة للوجد الرباني ، ثم خرجوا وهم مواصلون للضرب والتشويق ، حتى دخلوا لتونس وهم كذلك يزدحمون ، فمنهم الباكي من الشوق ، ومنهم القائل هذا اليوم ولا غيره في حضور هذا السماع من هؤلاء حيث إنهم قاصدون هذا الغرض الشريف ، ومنهم من غلب عليه الشوق ، فعزم على الحج معه ، ثم أتى إلى القيروان مجتهدا في العزم على الرحيل ، ودار المشوقون بمدينة القيروان مثلما وقع بتونس ، وفي إقامته أتت أقوام من كبراء الباديّة ، والساحل ، وتوجهوا معه إلى الحج واليوم الذي خرج فيه لم نر مثله مدة حياتي ، وأنا إذ ذاك عمري ستة عشر سنة فخرجت مشيعا ماشيا إلى زاوية الشيخ سيدي عمر الكناني ، والناس أولهم بالزاوية المذكورة ، وآخرهم بأطراف المدينة ووراءه جميع أحزاب الطرق ، والأعلام منشورة من كل زاوية بالقيروان أتوا بعلم منها ، وكان يوما مشهودا يسر الرائي ببصره والسامع بأذنيه والمحب بقلبه ، فتوجه للغرض وبعض الناس رجع من الشيخ الكناني في تشييعه ، وبعضهم رجع من سيدي عمر بوحلة ، إلا بعض أعيان شيّعوه لقابس ، وفارقوه ومعه السيد المنعم المرحوم الفاضل الهمام الخيّر أبو مروان الحاج عبد الملك ، وابن ابنه السيد الفاضل الهمام الخيّر سيدي الحاج حمدة نقيب الأشراف الآن بمدينة القيروان أنا إذ ذاك صغير السّنّ أبقى اللّه وجوده ، وجعل البركة فيه وفي ذريتهم إلى يوم القيامة ، فهم بركتنا وحرزنا من كل طارق . قلت : وتوفي الشيخ رحمه اللّه تعالى قبل وصوله للمدينة الشريفة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام بمرحلة ، وحملوه إليها ودفن ببقيع الفرقد ، وما مكان هذه الدرة الثمينة إلا ذلك المحل الشريف الذي ضمّ أكابر أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم جوار جدّه نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ، ثم أقيم ابنه السيد عبد الملك مقامه باتفاق أهل الرّكب حتى وصلوا إلى إفريقية . قلت : وبترجمته رحمه اللّه عن لي أن أترجم على أشياخ مضوا منهم : السيد الفاضل الأجل الخيّر أبو الفضل قاسم والد محبي سيدي عثمان قد سمعت كثيرا ممن لحقه أنهم يوفون ترجمته في صلاح حاله وصدق مقاله ، ولم أقف على تاريخ وفاته .