الطلبة من يريد القضاء والشهادة ، أو هما معا . وكنت في ذلك الزمان ، لا أريد ذلك ، وإنما غرضي تعلّم العلم وتعليمه ، وكنت يومئذ أعمل الميعاد بالعشيّ ، وأقرأ على شيخنا الفقيه القاضي أبي عبد اللّه محمد ابن قليل الهم بكرة مع جماعة من أصحابنا ، وذلك بعد انصراف شيخنا البرزلي لتونس ، وكنت أقول في نفسي : إذا مات من هو أكبر مني ، يحتاج الناس إليّ فأقرئ التفسير ، والحديث ، بكرة فلا أفتقر أن أمشي لتونس ، فأعاد الشيخ علي كلامه مرة ثانية وثالثة ، وألحّ علي في ذلك ، وقال : لا يخرج الخير « 1 » إلا من تونس ، فوقع كلامه بتكرره في قلبي . [ وحاك فيه ] « 2 » فتحرك خاطري للمشي لتونس ، فكان في إشارته بركة عظيمة ، فأقمت فيها أربعة عشر عاما مجتهدا في الفروع ليلا ونهارا ، أتعلّم وأعلّم ، حتى خرجت قاضيا ، وخطيبا بجزيرة جربة . فأقمت فيها ثلاثة أعوام وخمسة أشهر . وخرجت زائرا ، ورأيت من الصّواب استعفائي منها . فطلبت ذلك من شيخنا أبي مهدي عيسى الغبريني رحمه اللّه فوافق على ذلك « 3 » . [ شيخنا ] « 4 » ومشيت إلى بلدي القيروان فسكنتها سنة ، أعمل فيها الميعاد من قراءة التفسير وغيره ؛ وأتكلم على الناس بالمواعظ ، وحكايات الصالحين ، فسأل الشيخ أبو علي حسن البيار الشيخ عبيد أن « 5 » يكلم السلطان في أن يعمل لي مرتّبا حتى لا أخرج من القيروان ، فتكلما في ذلك فخرج الظهير بقضاء قابس ، فمشى إليه وعرّفه « 6 » ، وقال له : من هذا خفنا عليه ، ولو كان له راتب ينفق [ ما خرج من القيروان ] « 7 » . فقال له : أرأيت إن سبق في سابق علم اللّه أنه يتولى بلادا وأوطانا أتقفصه أنت في القيروان ؟ فعلمت أني لما أشار إليه ، فكان كذلك .
وحدثني من نثق به عمن حدثه عنه ، قال : كنت في ابتداء أمري كوشف لي عن دور القيروان فنرى ما يتصرف أهلها بداخلها من مكاني . بقيت على هذا أياما ، فجلست في الحفاويين مع أناس ، فاغتاب « 8 » بعضهم ، فأنصتّ له ، فزال عني « 9 »
هامش
( 1 ) ت : الخبر .
( 2 ) زيادة من : ت .
( 3 ) سقط من : ت .
( 4 ) زيادة من : ت .
( 5 ) ت : في أن .
( 6 ) سقط من : ت .
( 7 ) في ت : « منه ما مشى لخارج القيروان » .
( 8 ) في ط : اغتباب . وهو خطأ مطبعي .
( 9 ) سقط من : ت .