ذلك المصحف ، نأخذ الفأل منه ، ويقرأه الفقيه علينا ، فقام الرجل وأخذه وحلّه ، وعمل يده على ورقة من وسطه ، وأعطاني لأقرأها [ فإذا أولها :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
[ التّوبة : 60 ] فلم يعطه شيئا ] « 1 » .
قلت : وهذا يدل على أن مذهبه جواز أخذ الفأل من المصحف ، ومثله حكى عياض في مداركه عن أبي محمد عبد اللّه بن محمد الجمني الطليطلي ، قال : كان يستحسن الفأل من المصحف التماسا للبركة ، فضرب مرة وقد أراد ركوب البحر فخرج له .
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
( 24 ) [ الدّخان : 24 ] قال : فترك وركبه غيري ، فغرقوا بأجمعهم . وقبله عياض بسكوته عنه . وهو خلاف فتوى أبي بكر الطرطوشي « 2 » بأنه من الأزلام .
وحدثني الحاج أبو العباس أحمد ابن ساكن السّلمي عرف البرجي ، قال :
نزلت على حماري بطرف الجبانة الغربية بالقيروان ، ومشيت لبرج العبّاد ، وهو قريب ، إذ كان مفتاحه بيدي ، دخلته لكي أخلو فيه ، وإذا خرجت نغلقه ، فخرجت منه على الفور ، فلم أجد الحمار ، وبحثت عنه بحثا شديدا فلم أجده ، ومشيت للشيخ عبيد الغرياني وكلّمته في ذلك ، فقال لي : يرجع إليك ، فكلمته في الخروج إليه لنفتش عليه مرارا ، وهو يأبى حتى قال لي في المرة الأخيرة « 3 » : اخرج غدا ، فخرجت فوصلنا العرب بعد يومين ، فلما وصلنا بها وجدت حماري ، فأتوني مبادرين لأخذه فأبيت عليهم ، وقالوا : واللّه ما أخرجناه .
قلت : واجتاز عليّ الشيخ عبيد المذكور بين المغرب والعشاء وأنا جالس على دكّانة دار سكناي ، فقمت إليه وقبّلت بيده ، ومشيت معه ، فقال [ لي ] « 4 » : امش لتونس ، وتعلم العلم بها ، فلم أقبل كلامه ، لأن غالب الحال إنما يمشي لها من
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من : ت .
( 2 ) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري المعروف بالطرطوشي ، ويعرف أيضا بابن أبي رندقة وهو صاحب كتاب الحوادث والبدع ، وكتاب سراج الملوك وغيرها من الكتب المخطوطة والمطبوعة ولد سنة 451 ه وتوفي سنة 520 ه / 1126 م بالإسكندرية مصر . ترجم في : الصلة لابن بشكوال ص : 449 رقم 1272 ، بغية الملتمس ص : 117 رقم 295 ، الديباج المذهب ص : 371 - 373 ، حسن المحاضرة 1 / 376 - 377 .
( 3 ) في ط : الآخرة ، التصويب من : ت .
( 4 ) سقط من : ت .