وعرج لبلد توزر ، وترك طريق طرابلس ووصلها في أربعة أيام ، وحصرها ، وظن شيخها أبو يحيى أنه يمنع ، فخانه بعض أهل بلده ، فما عنده خبر إلا والسلطان دخلها ، ومكّنه اللّه منه ، وقتله صبرا ، وأراح اللّه المسلمين منه .
وحدثني من نثق به عمن حدثه أنه قال : كنّا معه في الغابة المذكورة ، وهو يلقم في شجر الزيتون ، فقال لمن يعينه « 1 » في ذلك : اضربوا في رأس ابن يملول ، فأرخت « 2 » تلك الساعة واليوم ، فتبين أنه الوقت الذي قتله فيه السلطان .
ثم مشى السلطان بإثر ذلك إلى قفصة ، وكانت حصينة جدّا ، وكان حصرها السلطان أبو يحيى أبو بكر ستة أشهر ، ومنعت ، فلما رحل عنها لحقه شيخها بمفاتيح البلد ، وردّ شيخها إليها ، وحصرها ولد ولده أبو العباس أحمد بن محمد في زمانه وأخذها ، ثم نافق أهلها بعد سنين ، وحصرها مدة ، ومنعت بسبب أن الشيخ صولة الليلي شوّش عليه وكان مريضا . فأعان اللّه ولده أبا فارس المذكور ، وأخذها قهرا ، وقتل شيخها وغيره ؛ ورأى من المصلحة هدم سورها ، فهدمه إلى الأرض ، وبنى بأنقاضه قصبة لقوّاده .
وحصر أبو فارس بمحلته قبل أخذها لما ذكر جبل أوراس وهو جبل حصين جدّا ، يسكنه الخوارج ، ووقعت مقاتلة كبيرة . قال شيخنا البرزلي : كان في ذلك الوقت عندي الشيخ عبيد بتونس ضيفا ، فأبطأ عليّ في إتيانه للعشاء إلى قرب العشاء الآخرة ، وكان في الأرض أثر طين ، وإذا هو داخل وفي ساقيه بعض تنجيس ، وهو حاف . فقلت له : أبطأت ، فقال : لولا رجال الحق حضروا للسلطان ، لما نجا من أهل الجبل ، لكن سلمه اللّه ، فظن أنه الوقت الذي كرره فيه ، ومات بعض ، والناس متعددون ، وسلم هو والناس ، وانفصل عنهم « 3 » .
وحدثني من نثق به أيضا أنه قال : كنت بزاوية الشيخ الجديدي بعد موته ، وقد كان قدم عليها الشيخ عبيد الغرياني ، وقد أتى للزاوية بجمال عليها تمر من بلاد الجريد ، وحضر رجل من أبناء الدنيا ، فطلب الشيخ أن يعطيه منه ليدفعه لأهله ، فقال له الشيخ : إنما هو للفقراء ، وأنت لست بفقير ، فقال له : يحكم بيني وبينك
هامش
( 1 ) ت : يعنيه .
( 2 ) ت : فورخت .
( 3 ) في ط قبالة كلمة « كنت بزاوية » على الهامش ورود لفظة « كذا بالأصل » .