الثالث : أن يحيى لما قرأ بكى حتى سالت دموعه على لحيته .
الرابع : أنه لم يبيّن اللفظ الذي تكلم به . ولفظه : اللهم إن هذا القارئ ما أراد بقراءته رضاك ولا ما عندك وإنما أراد بذلك نقصي وعيبي فلا تمهله بعد ثلاث .
كما صرح بجميعه المالكي وقال غيره : كان ذلك كان بأثر صلاة المغرب وليس في كلامه ما يدل أنه عمي فورا فيحتمل أنّه عمي بالقرب . وقال غيره : فو اللّه ما حمل الرّجل من مكانه إلّا ميّتا . ويقال : إنّه مات من ليلته . قال المالكي : ويقال : إنه ما بلغ ثلاثة أيام حتى مات . وكان مسجد السّبت هذا يحضره الزّهّاد والعبّاد ، يقرأ فيه القارئ آية من كتاب اللّه عزّ وجل ، وبعض حكايات الصالحين وتنشد فيه الأشعار وهو الذي يسمّى عندنا اليوم بالرقائق ، فكأن يحيى بن عمر رأى أن هذا بدعة لم يكن في الزمن الأول فألّف تأليفا في وجوب عدم حضوره فكان لا يحضره وينهى عن حضوره ، وكان المشيخة في زمانه على خلافه . وتابعه على قوله الشيخ أبو الحسن ابن القابسي رحمه اللّه تعالى وكان يقول : يا قوم هذا القرآن يتلى ، والأحاديث النبوية ولا متّعظ ويسمع الإنسان بيتا من شعر فيبكي هذا عجب وتبعه تلميذه الشيخ أبو عمران الفاسي رحمه اللّه تعالى على ذلك ، هكذا سمعته من شيخنا أبي الفضل أبي القاسم بن أحمد البرزلي حفظه اللّه تعالى . قال المالكي : ويقال :
إنّهم كانوا يخرجون منه يوم السبت فيبقى عليهم أثره إلى السبت الثاني .
قلت : فما سمى بمسجد السبت إلا لعمل الرّقائق فيه كل سبت خاصة وهو الذي يسمى عندنا اليوم بمسجد العربي سمّي به لأنه كان يقوم به ، واسمه محمد وهو خارج القيروان بقرب تربة الشيخ أبي زمعة صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وحكي أن يحيى بن عمر مرّ على قوم يكبّرون أيام العشر فنهاهم وقال لهم : هي بدعة فلم ينتهوا . فيقال :
إنه دعى عليهم فصار بعد موضعهم خرابا . وقال يحيى : رأيت في منامي كأن سحنون معلّم صبيان بيد درّة فأعطانيها وقال لي : قم على الصبيان فأولتها خلافته في تعليم الناس . ودعاه ابن الأغلب إلى قضاء إفريقية واضطره إلى ذلك فدلّه على عيسى بن مسكين فولاه وسلّم هو . قال أبو الحسن اللواتي : كان يحيى بن عمر عندنا بسوسة يسمع النّاس في المسجد فيمتلئ المسجد وما حوله ، فسألوه الانتقال منه . وقال يحيى بن عمر لبعضهم : لا ترغب في مصاحبة الإخوان ، وكفى بك من ابتليت بمعرفته أن تحترس منه . وقال الحسن بن نصر : كان يحيى بن عمر إذا صلّى الصبح
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 130
مساهمون: عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
ص١٣٠