أيضا مثل هذا في الرواية عن سحنون ، فإن أكابر أصحاب سحنون قالوا : ما رأيناه عند سحنون قطّ . فقال حمديس القطان : سمع من سحنون في منزله بالسّاحل ، وكذلك قال يحيى : لم أسمع من سحنون بالقيروان « 1 » وإنما سمعت منه بالبادية ، وذلك أنّي لما قدمت القيروان سألت عنه فقيل لي خرج للبادية فمضيت إلى البادية فاجتمعت به فرأيت رجلا أشقر عليه جبّة صوف ومنديل ، وهو يتولّى حرث ضيعته وأسباب مرمته بباديته فاستقللته فقلت : « إنا للّه وإنا إليه راجعون » . خلّفت العلماء خلفي وجئت إلى هذا الرجل ما أراه يحفظ شيئا من العلم ولا معه شيء فأنزلني ورحّب بي فلما كلّمته وسألته في العلم رأيت بحرا لا تكدّره الدّلاء ، واللّه العظيم ما رأيت مثله قط كأنّ العلم جمع بين عينيه وفي صدره .
قال : وكان يوضع له بالجامع بالقيروان كرسي يسمع الناس عليه لكثرتهم ، ولم يكن لأحد قبله .
قلت : وهذا الذي ذكره قاله أبو بكر الزويلي وهو خلاف قول غيره ، كان يجلس في جامع القيروان ، ويجلس القارئ على كرسي ليسمع من بعد من النّاس وتفقّه عليه خلق كثير ، منهم : أخوه محمد وأبو بكر بن اللباد ، وأبو العرب وأبو العباس الأبياني ، وإليه كانت الرّحلة في وقته .
ذكر ثناء العلماء عليه
قال : كان فقيها ثقة ، صحيح الكتب مع صلاح بيّن ، وورع حاجز ، وكان من الحفظ بمكان ، حسن الاستنباط ، عالما باختلاف النّاس وما أشكل من النوازل ، شديدا في الحق صلبا في السّنّة .
قلت : وقال أبو بكر المالكي : « كان يحيى بن عمر من أهل الصّيام والقيام ، مجاب الدعوة ، له براهين » « 2 » . « وكان مقدّما في الحفظ » « 3 » . وقال الحسن بن
هامش
( 1 ) في المطبوع : القيروان . والصواب : القيروان .
( 2 ) الرياض : 1 / 490 . وفيه القول لأبي بكر بن اللباد ، وليس لأبي بكر المالكي .
( 3 ) « كلمة وكان مقدما في الحفظ » قاله محمد بن حارث في كتابه : علماء إفريقية المسمى بطبقات الخشني ص : 184 ، وورد أيضا في كتاب الرياض 1 / 491 . بقول : قال محمد بن حارث :
« كان يحيى بن عمر متقدما في الحفظ » . لفظة « متقدما » وردت في طبقات الخشني أيضا خلاف ما في المعالم .