وصبّ في حجره دراهم كثيرة ، فأخذها أبو عقال ومضى بها إلى أبي هارون فأخذ منها ما اشترى به لهم طعاما ، وصرف الباقي . وروى الشيخ أبو سعيد ابن أخي هشام عن رجل من أهل مصر قال : دخلت جامع مصر فقلت : اللهم أرني وليّا من أوليائك ، قال : فحانت مني التفاتة فإذا برجل عند المقصورة عليه عباءة وهو يركع فقربت منه وركعت خلفه ، فلما سجد سمعته يقول : اللهم إني جعت فأطعمني ، ثم تمادى على صلاته ، فإذا برجل قد دخل المسجد فالتفت يمينا وشمالا ثم قصد نحوه فجعل بجواره خبيصا ورقاقا وجردقا ، ثم انصرف فقلت له : سألتك باللّه إلّا ما أخبرتني عن سبب هذا الطعام ؟ فقال : مضت عيالي إلى الحمام وسألتني أن أعمل لها شواء في التّنّور ، فأتاني حريفي فاشتغلت معهم حتى ذهب الوقت وقدامي رجل حلوي ، فأخذت منه خبيصا ثم أخذت رقاقا وجردقا ، فقالت المرأة : اشتغلت ببيعك وشرائك ولم تلق إلي بالا وحلفت لا أكلته ، فقلت : أحمله إلى الجامع وأطعمه لبعض الفقراء فدخلت إلى الجامع ، ونظرت يمينا وشمالا ، فلم أر إلّا صاحب العباءة فجعلت ذلك جواره فلما حوّلت وجهي وانصرفت ، نظرت فإذا الجامع مملوءا فقراء ، قال : فرجعت انظر إلى الرّجل فإذا به أبو عقال بن غلبون ، وقال أبو عبد الرحمن السّلمي في كتاب تاريخ الصوفية له : سمعت أبا القاسم المغربي يقول :
سمعت سعيد بن سلام يقول : قال لي بعض أصحاب أبي عقال : إنه أقام أربع سنين لم يأكل ولم يشرب حتى مات . وقال بعضهم أقام اثنتي عشرة سنة إلى أن مات ، وقال أبو علي ابن الكاتب حدثني أبو الحسن الغلايمي قال : كنت مجاورا بمكة مع أبي عقال بن غلبون ، وكنت خيّاطا بها فجئت من سفري فأخذت قطعة لحم وشويتها ، وجئت بها إلى أبي عقال فقلت : أردت أن يكون فطرك الليلة معي فقال :
ما إلى ذلك من سبيل ، قلت له : ولم ؟ إن اتّهمت كسبي فو اللّه ما أعرف معي درهما إلا من وجهه قال : فقال لي : ما ذاك ؟ أردت قلت له : لا بدّ أن تخبرني ما السّبب ؟
أو أكون عندك متّهما ، قال : فقال لي : بشرط أن لا تذكر ذلك في أيام حياتي قلت :
نعم ، فقال : كان يجيئني شيء من المغرب اقتات به فأبطأ عني وقتا من الأوقات ، فلحقتني فاقة شديدة فأقمت أيّاما لا أطعم فجئت إلى الملتزم فتعلقت به وقلت : يا إلهي ها أنا ذا قد لحقتني فاقة ولا أسأل غيرك ، إذ أنت مالك نفسي فبينما أنا في مناجاتي إذ رأيت عمودا من نور نازلا من السّماء إلى الأرض قبالة الرّكن ، وقائل يقول لي : يا ابن غلبون فنظرت فإذا بقصعة في وسط النّور تفور ، فجلست فقيل لي :
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 122
مساهمون: عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
ص١٢٢