قل بسم اللّه ، فأكلت ، ثم قيل لي : قل الحمد للّه ، ثم نظرت فإذا لا شيء ، فاليوم لي يا أبا الحسن حول كامل ما طعمت ولا شربت ، ففارقته وذهبت إلى بيتي فأفطرت ثم انصرفت إلى المسجد الحرام فبعد أن صلّينا العشاء الآخرة وقمنا لنصلّي التّراويح فبعد أن مرّت ترويحة أو ترويحتان سجد أبو عقال فلم يرفع رأسه فقال الناس : أبو عقال داخله الكلل فنام في سجوده ، إلى أن فرغت التّرويحة التي كان فيها فذهبت إليه فإذا هو ميّت رحمه اللّه تعالى فطلعت على الحجر فقلت أيّها الناس ، إنّ اللّه تبارك وتعالى أراد أن ينشر لأبي عقال في أرضه اليوم علما ثم قصصت عليهم القصة .
فإن قلت : قد تقدم أنه قال : ما أكلت طعاما ولا شربت منذ أربعة أعوام في قول ، وفي آخر اثني عشر عاما وفي هذه أخبر أنه لم يأكل ولم يشرب منذ عام واحد ، ومات بالفور فكيف الجمع ؟ .
قلت : لا مناقضة في ذلك ، والجمع هو : أنّ من قال : منذ أربعة أعوام لم يباشر منه إلا ذلك ومن قال اثني عشر عاما ، علم أكثر من الأول ولا علم عندهما بأكله من القصعة ، ومن علم بالأكل من القصعة التي نزلت في النور قال : لم يأكل ولم يشرب مدة من عام واحد ، ومات بعد ذلك في الفور ، واللّه أعلم .
قال : وقال أبو عبد اللّه الدينوري : كان أبو عقال يسمّى حمامة الحرم بمكة . وحدث أبو إسحاق المغربي « بطرسوس » عن أبيه ، وكان ممن لقي أبا عقال وصحبه ، قال : رأيته يوما بمسجد الخيف من منّى وعليه خيشتان ، مؤتزرا بإحداهما متّشحا بالأخرى وحوله جماعة يكتبون كلامه فلما انقضى المجلس وتفرّقوا خلوت به فقلت له : حدّثني بأشد ما مر بك في الحجاز بعدي فقال : لا تقدر أن تسمعه ولكني أحدّثك ببعضه ، كان معي في بعض السنين سبعون صاحب ركوة فوقع القحط بالحجاز فماتوا ، وبقي ستة نفر قد أثر فيهم الضّرر ، فبقينا تسع عشرة ليلة متواليات ، لم نطعم فيها شيئا ، فضعفت ويئست من الحياة فوقع في سرّي أن آتي الركن فألتزمه لعلّي أموت على تلك الحال ، فقمت لأمشي فلم أقدر فحبوت إليه حبوا حتّى عانقته فطرأت على قلبي أبيات قلتها فرجعت روحي إليّ وعشت ، وهي هذه :
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 123
مساهمون: عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
ص١٢٣