هذا رجل من ملوك المغرب طلّق الدّنيا وبقي في قلبه حب النساء ، فقالت : أنا أتزوجه فأرسلت إليه فقال لها : لا أتزوجك حتى تتركي الدنيا بحيث لا يبقى معك منها شيء مثلي فأخبروها ، فتصدقت بما معها وتزوجت أبا عقال . قال : فأقام معها حتى توفي فدفنا جميعا بمكّة أبو عقال وزوجته الخراسانية » « 1 » . وروي أنّ أبا عقال قال لأبي هارون الأندلسي وهما بمكة : أحبّ أن آكل من عمل يدي ، اشتري لي قربة أعمل بها الماء فقال له : ويحك ، اقعد واقنع بما أعطاك اللّه ولا تسأل عن هذا . فقال له أبو عقال : لا بد من هذا ، فاشترى له قربة فملأها وحملها على كتفه ومشى بها حتى يبيعها فلقيه أبو سعيد الإسكاف فقال له : ما هذا يا أبا عقال ؟ قال له : ما ترى ، فقال له أبو سعيد : أبى العارفون أن يكون في قلوبهم غير اللّه . قال :
فوقعت الكلمة في قلب أبي عقال فحار ومشى فعثر فطار ظفره وسقطت القربة فانشقت فرجع إلى أبي هارون بعد ما أفاق والقربة مقطوعة ودمه يجري فقال له : ما هذا يا أبا عقال فأخبره بما جرى عليه فقال له : قد نصحتك فلم تقبل . وقال أبو الحسن علي بن عبد اللّه القطان المتعبد : كان أبو هارون يكسو أبا عقال الثياب ، فإذا انصرف أبو عقال فرأى من الضّعفاء من هو أحوج منه ، يرق عليه فيؤثره بما عليه من الثياب بما أمكنه فلا يزال يعطي ما عليه حتى يبقى عريانا ، فيأتي أبا هارون فيجدد له كسوة فيمضي أيضا فيؤثر بها الفقراء ، ويأتي إلى أبي هارون عريانا فيكسوه ، فكان هذا دأبه « 2 » ، فطال على أبي هارون هذا الأمر فقال له : يا ميشوم حيّرتني ، يا ميشوم أتعبتني فيقول له أبو عقال : دعني يا أبا هارون ما رأيت في معاملة اللّه عزّ وجل إلا خيرا فيمسك أبو هارون ويعود إلى ما عوده من الكسوة رحمة اللّه عليهما ، وقال أبو بكر بن سعدون : رأيت أبا عقال يسقي الماء في مدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما وعليه مرقّعات صوف وعلى خلفه قربة وبيده ركوة يسقي بها الماء ، فأعطيته مائة درهم وثوبين من ثيابي . قال : فأصبحت من الغد فرأيته كما كان ، فقلت له يا سيدي أبا عقال قد عرفت ورعي وإنما أعطيتك ثيابي التي ألبسها ودراهم حلالا فقال يا ابن مسعود إني عاهدت اللّه أن لا تبيت معي بيضاء ولا
هامش
( 1 ) الرياض : 1 / 535 .
( 2 ) دأبه : عادته .