تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
الأغلب ملوك إفريقية ، فكان شديد المجون ، لم يكن في زمانه أكثر مجونا منه ، إلى أن تاب وارعوى ، وتجرّد من الدنيا وزهد فيما يفنى ، ثم جدّ واجتهد حتى كان من كبار العباد وأفاضل الزهّاد ، وأربى على أهله الجدّ والاجتهاد ، وكان سبب توبته أنه كان مفتونا بالنساء ، فكان يحضر الأعراس والمآتم بزيّ النّساء ، فحضر يوما عرسا لبعض ملوك الأغالبة ، مع جملة من جواريه على شكل النّساء ، فلما جلس بينهنّ ، ضاعت درّة نفيسة في دار العرس ، فغلقوا الأبواب ووقع التفتيش في النّساء واحدة بعد واحدة ، حتى لم يبق في الدّار إلّا هو وامرأة ، فلما خشي الفضيحة قال : إلهي لئن سترتني هذه المرّة ولم تفضحني لأتوبنّ ثم لا أعود ، وكان قد تاب قبلها نحو السبعين مرة ثم نكث فلما علم اللّه منه الصّدق نادى مناد من الدار : خلّوا عن الحرّة فإنّا قد وجدنا الدّرّة . فخرج من الموضع إلى داره وقد حصل في نفسه ما حصل من التوبة النّصوح ، فرفض المال ، والأهل ، والولد ، والوطن ، وخرج فارّا بنفسه فلحق ببعض حصون إفريقية فصحب بها أبا هارون الأندلسي وكان أبو هارون الأندلسي زاهدا متبتّلا ، فانتفع بصحبته ولازمه حتى مات . قلت : المراد بالدّرّة الياقوتة وقيل الذي ضاع إنما هو حليّ لبعض أهل تلك الدار وإنهم أمروا بالباب أن يغلق عليهم وفتّشوا النّساء فكل امرأة لا يجدوا عندها شيئا أخرجوها ، قال أبو عقال : وتبت إلى اللّه عزّ وجلّ وتمادوا حتى لم يبق إلا أنا وامرأة واحدة وهي ترادفني وتريد أن تكون ورائي وأنا أنفعها إليهم ، إلى أن أخذوها فوجدوا الحلي معها فقالوا لي : انصرفي يا هذه المرأة فأزلت الخفّ والمعجر « 1 » والرّداء التي كانت عليّ من زيّ النساء وتماديت على التوبة . وما ذكر أنّه تاب نحو السبعين مرة خلاف قول غيره ، تاب قبلها سبع عشرة مرة وأراد ببعض حصون إفريقية بعض محارس مدينة صفاقس كما صرح به غيره . قال : روي أنّه لما اجتمع بأبي هارون وتعبد معه ، جدّ أبو عقال في العبادة وزاد على أبي هارون ، فخطر في نفس أبي عقال أن له شفوفا « 2 » على أبي هارون في المجاهرة فرأى في المنام كأن قائلا يقول له :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ
هامش
( 1 ) المعجر : ثوب تعتجر به المرأة ، أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة ، وهو ضرب من ثياب اليمن . لسان العرب لابن منظور مادة « عجر » 4 / 544 . ( 2 ) شفّ ، شفوفا : رقة الجسم ونحوله وضعفه .