تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وقال ليس يقدر أحد أن يعرف النّفس إلّا من كانت نفسه طاهرة زكيّة مستولية على بدنه فيعرف حينئذ ما النّفس ويراها رؤيا حسنا لأنّها روحانيّة غير منجّسة ، ويعرف أنّها جوهر لا أشرف منه ولا أكرم ، باق دائم لا يموت ولا يفنى . فأمّا جلّ الناس ، فإنّ نفوسهم ناقصة كأنّها بدن مقطوع الأعضاء فينكرون شرفها وحسنها « 1 » وعدم موتها ، وهو خطأ لأنّه لا ينبغي لأحد أن يقول قولا في شيء قبل أن يفحص عنه ويعرف علّته وباطنه وظاهره ، ثمّ يقضي عليه وإذا أراد أن يفحص عن شيء فلا يلقي نظره خارجا على القشر الظاهر بل يحرص على أن يلقيه على روحانيّة الشيء الباطن الذي هو الجوهر الخالص بعينه وإلّا لم ينل معرفة حقيقة ذلك الشيء ، فافهم ذلك ، وهذا كلام في غاية الحسن . وقال : إنّ من رام أن يعرف الأشياء من العلو أعني من الجوهر الأوّل عسر عليه إدراكها ومن طلبها من أسفل عسر عليه إدراك العلم الأعلى لانتقاله من جوهر كثيف إلى جوهر في غاية اللطف ، ومن طلبها من المتوسّط وعرف المتوسّط كنه المعرفة أدرك به علم الطرفين وسهل عليه الطّلب ، وهذا كلام عجيب لا يعرف قدره إلّا من عرف المتوسط أعني النّفس الإنسانية . وقال : إنّ النّفس جوهر مبسوط متحرّك باق ، وليس يعني بالبسط هذا البسط ولكن بسط الذهن والوهم ، فإنّ ذلك البسط روحانيّ ، وهذا البسط جرميّ مركّب عند البسط الأول الوهميّ والذهنيّ وإنّما صار عندنا مبسوطا لأنّا لا ندرك شيئا من الأوائل اللّطيفة التي هي مدركة في هذا العالم هو ألطف من ذلك . فإن أردت أن تعلم خاصيّة المبسوط فتوهّم النّور لا النّار والضياء لا الضوء ولو لم تكن النفس مبسوطة لم تكن نيّرة ولا كان يتّصل نور بعضها
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : وبسطها .