وكان أبى صديقا له وبينهما مودة ، قال له يوما : يا سديد الدين ، بلغني أن ابنك صنف كتابا في طبقات الأطباء ما سبق إليه . وجماعة الأطباء الذين يأتون إلى شاكرون منه ، وهذا الكتاب جليل القدر ، وقد اجتمع عندي في خزانتي أكثر من عشرين ألف مجلدا ، ما فيها شئ من هذا الفن ، وأشتهي منك أن تبعث إليه يكتب لي نسخة من هذا الكتاب ، وكنت يومئذ بصرخد « 1 » ، عند مالكها " عزّ الدين أيبك المعظمى " ، فامتثل أمره .
ولما وصلني كتاب أبى أتيت إلى دمشق واستصحب معي مسودات الكتاب ، واستدعيت الشريف الناسخ ، وهو " شمس الدين محمد الحسيني " ، وكان كثيرا ينسخ لنا ، وخطه منسوب في نهاية الجودة ، وهو فاضل في العربية ، فأخليت له موضعا عندنا ، وكتب الكتاب في مدة يسيرة ، في تقطيع « 2 » ربع البغدادي ، أربعة أجزاء ، ولما تجلدت عملت قصيدة مديح في الصاحب " أمين الدولة " ، وبعثت الجميع إليه مع قاضى القضاة بدمشق " رفيع الدين الجيلى " ، وهو من جملة المشايخ الذين اشتغلت عليهم ، فإني قرأت عليه شيئا من كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا ، وكان بيني وبينه أنس كثير .
ولما وقف " أمين الدولة " على ذلك أعجبه غاية الإعجاب ، وفرح به كثيرا ، وأرسل إلى مع القاضي المال الجزيل والخلع الفاخرة ، وتشكر وقال :
أشتهي منك ان كل ما تصنف من الكتب تعرفني به ، وهذه نسخة القصيدة التي قلتها فيه وذلك في أوائل سنة ثلاث وأربعين وستمائة « 3 » :
هامش
( 1 ) صرخد : مدينة ببلاد الشام تلاصق حوران ، وهي من أعمال دمشق ، وهي قلعة حصينة واسعة . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 3 / 455
( 2 ) في ه : قطع .
( 3 ) في أ : وقال المؤلف لهذا الكاتب من قصيدة في وصف مآثره . ثم ذكر من البيت السابع عشر إلى البيت السابع والعشرين مع اختلاف في ترتيب الثلاثة الأول .