تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأنباء في طبقات الأطباء — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
حدثني أبو الفرج بن « 1 » توما ، و " أبو الفرج المسيحي " « 2 » ، قالا : كان الأجل " أمين الدولة بن التلميذ " جالسا ، ونحن بين يديه ، إذ استأذنت عليه امرأة ومعها صبي صغير ، فأدخلت عليه ، فحين رآه بدرها ، فقال : إن صبيك هذا به حرقة البول « 3 » ، وهو يبول الرمل . فقالت : نعم . قال : فيستعمل كذا كذا ، وانصرفت . قالا : فسألناه عن العلامة الدالة على أن به ذلك وأنه لو أن الآفة في الكبد أو الطحال ، لكان اللون من الاستدلال مطابقا فقال : حين دخل رأيته يولع بإحليله ويحكه ، ووجدت أنامل يديه مشققة قاحلة ، فعلمت أن الحكة لأجل الرمل ، وأن تلك المادة الحادة الموجبة للحكة « 4 » ، والحرقة ، ربما لامست أنامله عند ولوعه بالقضيب فتقحل « 5 » وتشقق ، فحكمت بذلك وكان موافقا « 6 » . ومن نوادر " أمين الدولة " وحسن إشارته : إنه كان يوما عند المستضىء بأمر الله ، وقد أسن " أمين الدولة " فلما نهض للقيام توكأ على ركبتيه ، فقال له الخليفة : كبرت يا " أمين الدولة " ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، وتكسرت قواريرى « 7 » . ففكر الخليفة في قول " أمين الدولة " ، وعلم أنه لم يقله إلا لمعنى قد قصده ، وسأل عن ذلك ، فقليل له : إن الإمام " المستنجد بالله " كان قد وهبه ضيعة تسمى قوارير ، وبقيت في يده زمانا ، ثم من مدة ثلاث سنين ، حط الوزير يده عليها . فتعجب الخليفة من حسن أدب " أمين الدولة " ، وأنه لم ينه أمرها إليه ولا عرض بطلبها ، ثم أمر الخليفة بإعادة الضيعة إلى " أمين الدولة " وأن لا يعارض في شئ من ملكه . ومن نوادره : أن الخليفة كان قد فوض إليه رئاسة الطب ببغداد ، ولما اجتمع إليه سائر الأطباء ، ليرى ما عند كل واحد من هذه الصناعة ، كان من جملة من حضر ، شيخ له هيئة ووقار ، وعنده سكينة ، فأكرمه " أمين الدولة " ، وكانت لذلك " الشيخ دربة " « 8 » بالمعالجة ، ولم يكن عنده من « 9 » صناعة الطب إلا التظاهر بها . فلما انتهى الأمر إليه قال له " أمين الدولة " : ما السبب في كون الشيخ لم يشارك الجماعة فيما يبحثون فيه ، حتى نعلم ما عنده من هذه الصناعة ، فقال : يا سيدنا ، وهل شئ مما تكلموا فيه إلا وأنا أعلمه ، وقد سبق إلى فهمي أضعاف ذلك مرات كثيرة ! فقال له أمين الدولة : فعلى من كنت قد قرأت هذه الصناعة ؟ فقال الشيخ : يا سيدنا إذا صار الإنسان إلى هذه السن « 10 » ، ما يبقى يليق به إلا أن يسأل ، كم له من التلاميذ ، ومن هو المتميز « 11 » فيهم وأما المشايخ الذين قرأت عليهم فقد ماتوا من زمان طويل . فقال له " أمين الدولة " : يا شيخ ، هذا شئ قد جرت العادة به ، ولا يضر ذكره ، ومع هذا فما علينا ، أخبرني أي شئ قد قرأته من الكتب الطبية ؟ وكان قصد " أمين الدولة " ، أن يتحقق ما عنده .
هامش
( 1 ) إضافة من طبعة مولر . ( 2 ) طبيب أمير المؤمنين الناصر لدين الله . انظر ترجمته في : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 265 . ( 3 ) حرقان البول : ألم يصيب الإنسان وقت التبول ، وقد يكون من أسبابه حصى المثانة التي تحتبس ، مما يسبب حكة في الذكر . انظر : مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 323 . ( 4 ) الحكة : علة ينشأ عنها الحكاك ، وقد تحدث للعين من رطوبات ملحية ، ما يجعلها تحتاج إلى الدواء المسهل والمطبوخ المقوى . انظر : الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب لمحمد كامل حسين : 182 ، المعجم الوسيط : 1 / 196 . ( 5 ) في طبعة مولر : " فتنحل " . ( 6 ) نهاية السقط في أ ، ج . ( 7 ) في ب : " قوارى " . ( 8 ) في ج : " درية " . ( 9 ) في أ : " من علم " . ( 10 ) ساقط في أ . ( 11 ) في ج : " المميز " .