قال : ودخل إليها رجل منزف ، يعرق دما في زمن « 1 » الصيف ، فسأل تلاميذه وكانوا قدر خمسين نفسا ، فلم يعرفوا « 2 » المرض ، فأمره أن يأكل خبز شعير مع باذنجان مشوى ، ففعل ذلك ثلاثة أيام فبرأ فسأله أصحابه عن العلة ، فقال : إن دمه قد " نزف ورق " « 3 » ، ومسامه قد تفتحت ، وهذا الغذاء من شأنه تغليظ الدم وتكثيف المسام ، قال : ومن مروءته ، أن ظهر « 4 » داره كان يلي النظامية ، فإذا مرض ففيه نقله إليه ، وقام في مرضه عليه ، فإذا أبل « 5 » وهب له دينارين وصرفه .
ومما حكاه أيضا عن أمين الدولة ابن التلميذ « 6 » وكأنه قد تجاوز في هذه الحكاية ، قال : وكان أمين الدولة لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان ، فعرض لبعض الملوك النائية داره ، مرض مزمن « 7 » ، فقيل له ليس لك إلا ابن التلميذ ، وهو لا يقصد أحدا ، فقال : أنا أتوجه إليه ، فلما وصل أفرد له ولغلمانه دورا ، وأفاض عليه من الجرايات قدر الكفاية ، ولبث مدة ، فبرئ الملك ، وتوجه إلى بلاده ، وأرسل إليه مع بعض التجار أربعة آلاف دينار وأربعة تخوت عتابى ، وأربعة مماليك وأربعة أفراس « 8 » . فامتنع من قبولها ، وقال : إن على يمينا ألا أقبل من أحد شيئا .
فقال التاجر : هذا مقدار كثير « 9 » ، قال : لما حلفت ما استثنيت ، وأقام شهرا يراوده ولا « 10 » يزداد إلا إباء ونأيا . فقال له عند الوداع : ها أنا أسافر ولا أرجع إلى صاحبي ، وأتمتع بالمال « 11 » ، فتقلد منته وتفوتك منفعته ، " ولا يعلم أحد " « 12 » بأنك رددته ، فقال : ألست أعلم في نفسي أنى لم أقبله ، فنفسى تشرف بذلك علم الناس أو جهلوا . وحدثنا الحكيم " مهذب الدين عبد الرحيم بن علي " « 13 » ، قال : حدثني الشيخ " موفق الدين أسعد إلياس بن المطران " « 14 » ، قال : حدثني أبى ، قال : حدثني " إسماعيل بن رشيد " ، قال :
هامش
( 1 ) في ب : " زمان " .
( 2 ) في أ : " يعرف " .
( 3 ) في باقي النسخ : " رق " .
( 4 ) ساقط في ك .
( 5 ) في ج : " نقا " .
( 6 ) إضافة من أ ، ج .
( 7 ) ساقط في ك .
( 8 ) في ب : " فروس " .
( 9 ) في ب : " كبير " .
( 10 ) في أ : " يراده وهو لا " ، ج : " يراروه وهو لا " .
( 11 ) في ك : " بالأموال " .
( 12 ) في أ : " وهو لا يعلم " .
( 13 ) هو مهذب الدين " عبد الرحيم بن علي بن حامد الدخوار " ، طبيب كحال ، تعلم على كبار العلماء في عصره ، منهم :
والده " علي بن حامد " ، و " رضى الدين الرحبي " ، و " عبد اللطيف البغدادي " ، و " ابن المطران " ، و " فخر الدين المارديني " ، وغيرهم .
ودرس في البيمارستان النوري في دمشق ، وعمل في خدمة العادل " أبو بكر الأيوبي " الذي جعله رئيس الأطباء في مصر ، ودرس عليه من كبار الأطباء كل منهم : " ابن أبي أصيبعة " ، و " ابن النفيس " ، و " موفق الدين عبد السلام " ، وغير هم . وله كثير من الكتب ، منها : اختصار كتاب الحاوي في الطب للرازي ، ومقالة في الاستفراغ ، وكتاب الرد على شرح ابن أبي صادق لمسائل حنين ، وغيرها . وكانت وفاته بدمشق سنة 628 ه 1230 م . انظر في ترجمته : النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 6 / 277 ، فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي : 1 / 563 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 22 / 316 .
( 14 ) هو موفق الدين " أسعد بن إلياس بن جرجس بن المطران " ، طبيب باحث ، من أهل دمشق ، وكان نصرانيا وأسلم في عهد السلطان " صلاح الدين الأيوبي " ، وارتفعت مكانته عنده ، وله من الكتب : كتاب الأطباء وروضة الألباء وكتب المقالة الناصرية في التدابير الصحية ، وكانت وفاته سنة 587 ه 1191 م . انظر في ترجمته : طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل : 2 / 178 .