أقول : وضد هذه الحكاية ما حدثني به " شمس الدين محمد بن الحسن « 1 » ابن عبد الكريم البغدادي " ، عن طريق بعض المشايخ ببغداد ، قال : كان السلطان " محمد بن محمود خوارزم شاه " « 2 » قد حضر بغداد في سنة . . . « 3 » وخمس مائة ، فمرض وهو بعسكره ظاهر البلد . ومرض الخليفة المقتفى أبو عبد الله محمد بن المستظهر « 4 » ببغداد فأنفذ السلطان بطلب « 5 » الرئيس " أمين الدولة بن التلميذ " ، فأخرج إلى ظاهر المدينة ، فكان يداويه بظاهر بغداد « 6 » ، ويداوى الخليفة ببغداد .
فقال له وزير السلطان : أيها الرئيس ، إنني قد كنت عند السلطان ، وذكرت له من فضلك وأدبك ورئاستك ، وقد أمر لك بعشرة آلاف دينار . فقال له : يا مولانا ، قد أمر لي من بغداد باثني عشر ألف دينار ، فيأذن « 7 » لي في قبولها السلطان ؟ يا مولانا أنا رجل طبيب ، لا أتجاوز وظائف الأطباء ، وما يلزمهم ، ولا أعرف إلا ماء شعير ، والنقوع « 8 » ، وشراب البنفسج « 9 » ، والنيلوفر « 10 » ، ومتى أخرجت عن هذا « 11 » لا أعرف شيئا .
وكان الوزير قد عرض له في حديثه ، بما معناه أنه يدبر في إتلاف الخليفة ، وقدر الله ، سبحانه ، برء الخليفة والسلطان ، ووقع الصلح بينهما على ما اقترحه الخليفة ، وهذا كان من عقل الرئيس " أمين الدولة " ،
هامش
- عوف " و " القطب النيسابوري " ، وغيرهم . ودخل مصر مع عمه " أسد الدين شيريكوه " عندما وزر لنور الدين محمود في مصر ، فلما توفى عمه ، تولى الوزارة بعده ، فما لبث أن استقل بمصر بعد وفاة سيده " نور الدين محمود " ، ثم استولى على معظم بلاد الشام ، كالموصل وآمد ، ونصيبين ، والرقة ، كما فتح القدس وهزم النصارى في أكثر من معركة ، وكان ملكا ، مهابا ، شجاعا ، حازما ، مجاهدا ، جاهد ما يقرب من 20 سنة ، وكانت وفاته سنة 589 ه . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 7 / 143 ، الكامل في التاريخ لابن الأثير : 11 / 369 ، سير أعلام النبلاء للذهبي :
21 / 278 .
( 1 ) ساقط في طبعة مولر .
( 2 ) بياض في أ ، ج .
وهو السلطان " محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقى " ، كان يقود الجيوش لحصار بغداد مع الأمير " زين الدين أبو الحسن علي بن بلكتين " ، صاحب إربل سنة 552 ه ، وكانت وفاته في ذي الحجة بباب همذان سنة 554 ه . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 5 / 183 ، 6 / 234 .
( 3 ) بياض بجميع النسخ . .
( 4 ) هو أبو عبد الله " محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدى بالله عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله ، العباسي الهاشمي ، أمير المؤمنين ، بويع بالخلافة في 16 من ذي القعدة سنة 530 ه ، وكان مولده في ربيع الأول سنة 489 ه .
وكان قد سمع الحديث من " أبى الحسن بن العلاف " ، وأبى البركات السيبى " ، و " جزء بن عرفة " ، وغيرهم . وكان إماما عادلا ، لبيبا ، جوادا ، محبّا للعلم والعلماء ، وكانت وفاته سنة 555 ه إثر دمل في عنقه ، وعمره 66 سنة . انظر في ترجمته : النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 5 / 332 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 20 / 399 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 4 / 172 .
( 5 ) في أ ، ج : " يلتمس " .
( 6 ) في ب : " المدينة " ، والمثبت من باقي النسخ .
( 7 ) في ج : " فأذن " ، طبعة مولر " أفيأذن " .
( 8 ) النقوع : أشربة تتخذ من الزبيب ، تنقع في الماء ثم تشرب . انظر : المعجم الوسيط : 2 / 986 .
( 9 ) البنفسج : زهر طبعه بارد رطب ، يستخدم في علاج الصداع ، والرمد ، وتسكين آلام السرطان ، والمعدة ، ويسكن خفقان القلب العصبى عند النساء ، ويستخدم في علاج الأمراض الجلدية ، والتسلخات عند الأطفال ، وتنقية الدم من أمراض الجلد المزمنة ، والسعال والروماتيزم . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 1 / 156 .
( 10 ) النيلوفر : من النباتات المائية ، وينبت في الأنهار والمناقع ، والحواض ، ومن أنواعه : اللوتس أي : عرائس النيل ، ويستخرج منه شراب ملطف جيد للسعال والطحال والصداع ، ويعالج البهق ، وداء الثعلب ، ويقطع سيلان المنى ، وينفع من قروح الأمعاء . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 4 / 486 ، المعجم الوسيط : 2 / 1006 .
( 11 ) في أ : " عن غير " ، ج : " من غير " .