أن نؤخره ، فغلبوا على رأيه وأدخلوه الحمام ، وقد كان أوقد عليه ثلاثة أيام بليالهن ، وردوا عليه باب الحمام ساعة فمات ، وأظهروا الحزن العظيم ، وأتوا إلى ولده " أبى محمد الحسن " « 1 » فاستخلفوه على ما أرادوا وبايعوه ، ولقب بالمستضىء بأمر الله وأقام مدة ، وفي نفسه شئ مما فعلوه . .
وكان قد استوزر عضد الدين أبا الفرج بن « 2 » رئيس الرؤساء « 3 » وكان " ابن صفية " الطبيب « 4 » ، على حاله ملازم الخدمة ، فشرع الخليفة في الاستبداد بالأمور مع وزيره ، دون " قطب الدين قايماز " و " ابن صفية " مهما اطلع عليه من الأحوال ، نقله إلى " قطب الدين " « 5 » وهو متردد إلى الدار ، ولا يمنع لكونه طبيب الخدمة .
فاستحضره الخليفة ليلا " وكان مظلما " « 6 » وقال له : يا حكيم عندي من أكره رؤيته ، وأريد إبعاده بوجه لطيف غير شنيع ، فقال له : نرتب له شربة قوية بالغة يشربها ، وقد حصل الخلاص منه « 7 » كما يؤثر .
فمضى وركب شربة كما وصف ، وأحضرها ليلا ودخل بها إلى عند الخليفة ، ففتحها ونظر إليها ، وقال : يا حكيم استف هذه الشربة حتى نجرب فعلها ، فتلوى من ذلك ، وقال : الله الله يا مولانا في « 8 » .
فقال له : الخليفة « 9 » : الطبيب متى « 10 » تعدى حده وتجاوز طوره وقع في مثل هذا ، وليس لك من هذا خلاص إلا إلى السيف « 11 » ، فاستف الحكيم الشربة التي ركبها ، وفر من الهلاك إلى الهلاك .
ثم خرج من دار الخليفة ، وكتب إلى الأمير " قطب الدين " يشعره بالحال ، ويقول له : والانتقال من أمرى إلى أمركم ، ثم هلك . وأما " قطب الدين " فعزم « 12 » أن يوقع بالخليفة ، فرد الله ، سبحانه ، كيده إليه ، ونهبت أمواله ، وهرب من بغداد بنفسه ، ومضى « 13 » إلى الشام إلى الملك الناصر " صلاح الدين " « 14 » ، فلم يقبله ، وعاد على طريق البرية إلى الموصل ، فمرض في الطريق ودخل الموصل فمات .
هامش
( 1 ) في ك : " أبى الحسن محمد " . وهو أبو محمد " الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفى محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدى بأمر الله " ، المستضىء بأمر الله ، تولى الخلافة بعد وفاة والده سنة 566 ه ، وكان مولده سنة 536 ه من أم أرمينية ، وكان عمره وقتها 21 سنة ، وفي عهده قضى على الدولة الفاطمية في مصر ، وخطب له وللعباسيين بها ، كما خطب له في اليمن وبرقة وبلاد الترك ، وغيرها . وكان حليما ، كريما ، رفع المكوس عن الرعية ، ورد المظالم إلى أهلها .
انظر في ترجمته : البداية والنهاية لابن كثير : 12 / 304 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 21 / 68 .
( 2 ) ساقط في ج .
( 3 ) هو أبو الفرج " محمد بن عبد الله بن هبة الله بن مظفر بن علي بن المسلمة البغدادي " ، وزير المستضىء ، كان قد طلب العلم صغيرا ، فروى وسمع من : هبة الله بن الحصين ، وعبيد الله بن محمد بن البيهقي ، وزاهر بن طاهر ، وغيرهم ، كما روى عنه حفيده داود بن علي ، وغيره .
وكان يعمل أستاذ دار المقتفى لأمر الله ، والمستنجد بالله ، ثم للمستضىء بأمر الله ، وكان يحب أهل العلم والتصوف ، ويعمل بالحديث والفقه والأدب ، وكانت وفاته مقتولا سنة 573 ه . انظر في ترجمته : الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 3 / 335 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 21 / 75 .
( 4 ) ساقط في ج .
( 5 ) في ك : " قايماز " .
( 6 ) ساقط في أ ، ج .
( 7 ) ساقط في ب .
( 8 ) ساقط في ج .
( 9 ) ساقط في ب ، أ ، والإضافة من ك ، ج .
( 10 ) في ك ، ج : " من " .
( 11 ) في أ : " المسف " .
( 12 ) في ج : " بمعزم " .
( 13 ) ساقط في ج .
( 14 ) هو السلطان الناصر صلاح الدين " يوسف بن أيوب بن شاذى بن مروان بن يعقوب الدوينى التكريتي " ، ملك مصر ، والشام ، ولد سنة 532 ه ، وطلب العلم صغيرا من " أبى طاهر السلفي " ، و " علي بن بنت أبي سعد " ، و " أبى طاهر بن -