ثم إن أمر بإصلاح ثلاث دور من دوره التي لم أسكن قط منذ نشأت في مثلها ، ولا رأيت لأحد من أهل صناعتي مثلها . وحمل إلى « 1 » سائر ما كنت إليه محتاجا من الأواني والفرش والكتب والآلة « 2 » ، وما يشاكل ذلك بعد أن أشهد لي بالدور ، وتوثق لي بشهادات « 3 » العدول ، لأنها كانت خطيرة في قيمتها : لأنها تقوم بألوف دنانير ، فلمحبته لي وميله إلى أحب أن تكون لي ولعقبى ، ولا تكون على حجة لمعترض .
فلما فرغ مما أمر « 4 » به من الحمل إلى الدور ، وجميع ما ذكر « 5 » وتعليقها « 6 » بأنواع الستور ، ولم يبق غير المضي إليها ، أمر بحمل المال الضعف الكثير بين يدي ، وحملني على خمسة رؤوس من خيار بغاله الخاصة بمواكبها ، ووهب لي ثلاثة خدم روم ، وأمر لي في كل شهر بخمسة عشر ألف درهم ، وأطلق لي الفائت من رزقي في وقت حبسى ، فكان شيئا كثيرا .
وحمل من جهة الخدم والحرم « 7 » ، وسائر الحاشية والأهل ، ما لم يمكن أن يحصى من الأموال والخلع والإقطاع . وحصلت وظائفى التي كنت خارج الدار من سائر الناس آخذها « 8 » من داخل الدار ، وصرت « 9 » المقدم على سائر الأطباء من أعواني وغيرهم ، وهذا تم لي لما لحقتني السعادة التامة .
وهذا ما جرى على بعداوة « 10 » الأشرار ، كما قال " جالينوس " : إن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم الأشرار .
ولعمري لقد لحق " جالينوس " محنة عظيمة ، إلا أنها لم تكن تبلغ إلى ما بلغت بي أنا « 11 » هذه المحن .
وإنّي لأعلم مرارا كثيرة أن أول من كان يغدوا إلى باب دارى في حاجة تكون له إلى أمير المؤمنين ، وأن يسألني عن مرض قد حار فيه أحد أعدائي ، الذين قد عرفتك ما لحقني منهم ، وكنت وحق معبودى العلة الأولى ، أسارع « 12 » في قضاء حوائجهم وأخلص لهم المودة ، ولم أكافنهم على شيء مما صنعوا لي ولا واحد منهم وأخذته « 13 » بذلك .
فكان سائر الناس يتعجبون من حسن قضائي حوائجهم بعد ما كانوا « 14 » يسمعونهم يقولون في عند الناس ، وخاصة عند مولانا أمير المؤمنين ، وصرت أنقل لهم الكتب على الرسم « 15 » بغر عوض ولا جزاء ، وأسارع إلى جميع محابهم ، بعد أن كنت إذا نقلت لأحدهم كتابا أخذت منه وزنه دراهم .
هامش
( 1 ) في أ : " إليها " .
( 2 ) ساقط في ج .
( 3 ) في ج : " بشهادة " .
( 4 ) في ب : " أمره " .
( 5 ) في ب : " ذكروا " .
( 6 ) في ب : " وتعليق " .
( 7 ) في ج : " وحمل إليه . . . . الخدم والخدم " .
( 8 ) ما بين الخاصرتين ساقط في ب .
( 9 ) في ب : " وكنت " .
( 10 ) في ج : " من عداوة " .
( 11 ) ساقط في أ .
( 12 ) في ج : " أنى أسارع " .
( 13 ) في أ ، ج : " ولا أخذته " .
( 14 ) في ب : " كان " .
( 15 ) ساقط في ج .