واستظرف " المتوكل " ذلك واستحسنه ، وكان بحضرته " يوحنا بن ماسويه " فقال : يا أمير المؤمنين " الفتح " .
والله - أطب منى ، فلا تخالف ما أشار به « 1 » أقول : ومن نوادر " يوحنا بن ماسويه " : إن " المتوكل على الله " .
قال له يوما : بعت بيتي « 2 » بقصرين .
فقال له : أخر الغداء يا أمير المؤمنين ، أراد " المتوكل " ، تعشيت فضرنى ، لأنه تصحيفها ، فأجابه " ابن ماسويه " بما تضمن العلاج .
وعتب " ابن حمدون " « 3 » النديم ، " ابن ماسويه " ، بحضرة " المتوكل " ، فقال له " ابن ماسويه " : لو أن مكان ما فيك من الجهل « 4 » عقلا ، ثم قصم على مائة خنفساء ، لكانت كل واحدة منهن أعقل من أرسطوطاليس .
دخل " ابن ماسويه " المتطبب إلى " المتوكل " ، فقال : " المتوكل " لخادم له : خذ بول فلان في قارورة وائت به إلى " ابن ماسويه " . فأتى به ، فلما نظر إليه ، قال : هذا بول بغل لا محالة ، فقال له " المتوكل " : كيف علمت أنه بول بغل ؟ قال " ماسويه " : أحضرنى صاحبه حتى أراه ، ويتبين كذبى من صدقي . فقال " المتوكل " : هاتوا الغلام ، فلما مثل بين يديه ، قال له " ابن ماسويه " : إيش أكلت البارحة ؟ . قال : خبز شعير ، وماء قراح . فقال :
" ابن ماسويه " : هذا والله طعام حماري اليوم « 5 » .
ونقلت من خط " المختار بن الحسن بن بطلان " ، أن " أبا عثمان الجاحظ " « 6 » ، و " يوحنا بن ماسويه " ، قال :
اجتمعا بغالب ظني ، على مائدة " إسماعيل بن بلبل " « 7 » الوزير ، وكان في جملة ما قدم مضيرة بعد سمك .
فامتنع " يوحنا " من الجمع بينهما .
فقال له " أبو عثمان " : أيها الشيخ لا يخلو أن يكون السمك من طبع اللبن أو مضادا له ، فإن كان أحداهما ضد الآخر ، فهو دواء له ، وإن كانا من « 8 » طبع واحد ، فلنحسب أنا قد « 9 » أكلنا من إحداهما إلى أن اكتفينا .
هامش
( 1 ) ما بين الخاصرتين إضافة من طبعة مولر .
( 2 ) في ج ، د : " بيعتي " .
( 3 ) هو أبو عبد الله " أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون النديم " إمام عالم من كبار علماء اللغة في عصره ، وكان نديما للمتوكل على الله ، وهو أستاذ " أبى العباس ثعلب " ، وقرأ عليه " ابن الأعرابي " وله من الكتب :
كتاب أسماء الجبال والمياه والأدوية " ، وكتاب شعر ثابت قطنة ، وغيره . انظر في ترجمته : بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي : 2 / 179 .
( 4 ) في أ : " ما كان ما قيل لمن يجهل عقل " .
( 5 ) إضافة من طبعة مولر .
( 6 ) هو أبو عثمان " عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الجاحظ ، كاتب وأديب عربى كبير ، ولد في البصرة سنة 159 ه ، وتلقى العديد من العلوم وهو ما زال صغير السن ، وروى على كبار علماء عصره ، منهم : أبى عبيدة معمر بن المثنى ، والأخفش ( سعيد بن مسعدة ) ، والأصمعي عبد الملك بن قريب ، وإبراهيم النظام وغيرهم . وتلقى عليه " أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة " ، وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد ، وغيرهم .
وله أكثر من 300 كتاب في الأدب واللغة وعلم الكلام والتاريخ والسياسة والجغرافيا وغير ذلك ، ومن أشهرها : البيان والتبيين ، والحيوان ، والبخلاء ، وكانت وفاته سنة 255 ه . انظر في ترجمته : تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 12 / 212 ، وفيات الأعيان لابن خلكان : 3 / 470 ، فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي : 2 / 446 ، 3 / 117 ، معجم الأدباء لياقوت الحموي : 16 / 74 ، 114 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 11 / 526 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 121 .
( 7 ) هو أبو الصقر " إسماعيل بن بلبل الشيباني " أحد الوزراء الأدباء وأحد الشعراء البلغاء . تولى وزارة المعتمد على الله سنة 265 ه بعد وزارة " الحسن بن مخلد " ، ولكنه ما لبث أن عزل ، ثم وزر ثم عزل ثم تولى الوزارة سنة 272 ه ، وكان جميلا ، في رتبة الملوك ، بليغا ، قبض عليه المعتضد بالله سنة 278 ه وعذبه حتى مات ، وكان قد ولد سنة 230 ه .
انظر في ترجمته : سير أعلام النبلاء للذهبي : 13 / 199 .
( 8 ) إضافة من ك .
( 9 ) إضافة من ك .