تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأنباء في طبقات الأطباء — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
قال " الحسين بن فهم " : فوافق كلامه قدرا ، فعاش عشر سنين بعد ذلك . وحدث الصولي « 1 » في كتاب الأوراق : كان " المأمون " نازلا على البدندون نهر من أعمال طرسوس فجلس يوما وأخوه " المعتصم " عليه ، وجعلا أرجلهما فيه ؛ استبرادا له ، وكان أبرد الماء ، وأرقه وألذه . فقال " المأمون " للمعتصم : أحببت الساعة من أزاد العراق آكله ، وأشرب عليه من هذا الماء البارد . وسمع صوت حلقة البريد وأجراسه ، وقيل : هذا " يزيد بن مقبل " بريد العراق ، فأحضر طبقا من فضة فيه رطب من أزاد ، فعجب من تمنيه ، وما تم له . فأكلا وشربا من الماء ، ونهضا ، وتودع " المأمون " وأقال ، ثم نهض محموما ، ففصد ، وظهرت في رقبته نفحة كانت تعتاده ويراعيها الطبيب إلى أن نتج ، وتفتح وتبرأ . فقال " المعتصم " للطبيب : وهو " يوحنا بن ماسويه " : ما أطرف ما نحن فيه ، تكون الطبيب المفرد المتوحد في صناعتك ، وهذه النفحة تعتاد أمير المؤمنين ، ولا تزيلها عنه ، وتتلطف في حسم مادتها حتى لا ترجع ، والله لئن عادت هذه العلة عليه ، لأضربن عنقك . فاستطرق " ابن ماسويه " لقول " المعتصم " وانصرف ، فحدث به بعض من يثق به فقال له : تدرى ما قصد " المعتصم " ؟ . قال : لا . قال : قد أمرك بقتله حتى لا تعود النفحة عليه ، وإلا فهو يعلم أن الطبيب لم يقدر على دفع الأمراض عن الأجسام . وإنما قال لك : لا تدعه يعيش ليعود المرض عليه . فتعالل " ابن ماسويه " ، وأمر تلميذا له بمشاهدة النفحة والتردد إلى " المأمون " نيابة عنه ، والتلميذ يجيبه كل يوم ، ويعرفه حال " المأمون " وما تجدد له . فأمره بفتح النفحة ، فقال له : أعيذك بالله ، ما احمرت ولا بلغت حد الجرح ، فقال له : امض وافتحها كما أقول لك ، ولا تراجعني . فمضى وفتحها ، ومات " المأمون " ، رحمه الله . أقول : إنما فعل " ابن ماسويه ذلك ؛ لكونه عديم المروءة والدين والأمانة « 2 » . وكان على غير ملة الإسلام ، ولا له تمسك بدينه أيضا ، كما حكى عنه " يوسف بن إبراهيم " في أخباره المتقدمة ، ومن ليس له دين يتمسك به ، ويعتقد فيه ، فالواجب أن لا يدانيه عاقل ، ولا يركن إليه حازم « 3 » . وكانت وفاة " يوحنا بن ماسويه " بسرّمن‌رأى ، يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين ، في خلافة المتوكل « 4 » .
هامش
( 1 ) هو أبو بكر " محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول الشطرنجى الصولي البغدادي ، كاتب أديب . تعلم على كبار عصره ، منهم : أبى داود السجستيانى ، والمبرد ، و " أبى العيناء " ، و " ثعلب " ، و " محمد بن يونس الكديمى " وغيرهم ، وروى عنه كثيرون : " ابن جميع " ، و " أبو بكر بن شاذان " ، و " الدارقطني " وغيرهم ، وكان ينادم " الراضي بالله " ، وكان يلاعبه الشطرنج ، وله كثير من الكتب ، منها : الأوراق ، الوزراء ، أخبار القرامطة ، وأخبار السيد الحميري ، وأخبار إسحاق بن إبراهيم ، وأخبار أبى عمرو بن العلاء ، وأخبار أبى تمام . وكانت وفاته سنة 335 ه بالبصرة . انظر في ترجمته : تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 3 / 427 ، النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 3 / 296 ، وفيات الأعيان لابن خلكان : 4 / 356 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 15 / 301 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 2 / 339 . ( 2 ) ما بين الخاصرتين إضافة من ك . ( 3 ) ما بين الخاصرتين إضافة من طبعة مولر . ( 4 ) إضافة من ك .