فدعا " جبريل " بتحويل سنته ، وسألني النظر فيه ، وإخباره بما يدل عليه الحساب ؛ فنهض " يوحنا " عند ابتدائي بالنظر في التحويل ، فلما خرج من الحراقة ، قال لي " جبريل " : ألك بي « 1 » حاجة إلى النظر في التحويل ؟ لأنى أحفظ جميع قولك ، وقول غيرك في هذه السنة ، وإنما أردت بدفعى التحويل إليك ، أن ينهض " يوحنا " فأسألك « 2 » عن شئ بلغني عنه ، وقد نهض . فأسألك بحق الله تعالى ، هل سمعت " يوحنا " قط يقول أنه أعلم من " جالينوس " بالطب ؟ فحلفت له أنى ما سمعته قط يدعى ذلك .
فما انقضى كلامنا حتى رأيت الحراقات تنحدر إلى مدينة السلام ، فانحدر " المأمون " في ذلك اليوم ، وكان يوم الخميس ، ووافينا مدينة السلام غداة يوم السبت ، ودخل الناس كلهم إلى مدينة السلام ، خلا " أبى العباس بن الرشيد " « 3 » ، فإنه أقام في الموضع المعروف بالثلاثين من الجانب الغربى بمدينة السلام ، وهو بإزاء « 4 » دار " الفضل بن يحيى " بباب الشماسية ، الذي صار بعضها في خلافة " المعتصم " لأبى العباس بن الرشيد .
فكنت وجماعة ممن يريد المسير إلى " أبى العباس " ، ممن منازلهم في قنطرة البردان « 5 » ، ونهر المهدى لا نجشم أنفسنا المسير إلى الجسر ، ثم المسير إلى الثلاثين ؛ لبعد الشقة « 6 » ، فنصير إلى قصر " الفضل بن يحيى " ، ونقف بإزاء « 7 » مضرب " أبى العباس " ، وكانت الزبيديات توافينا فتعبر بنا .
فاجتمعت و " يوحنا بن ماسويه " ، عند " أبى العباس " ، بعد موافاة " المأمون " بمدينة السلام بثلاثة أيام « 8 » ، وجمعتنا الزبيدية عند انصرافنا ، فسألني عن عهدي بجبريل ، فأعلمته أنى لم أره منذ اجتماعنا بالعلث ، ثم قلت له : قد شنعت « 9 » عنده ، فقال : لماذا ؟ . فقلت له : بلغه أنك تقول أنا أعلم من " جالينوس " .
فقال : على من « 10 » ادعى هذه الدعوى لعنة الله ، والله ما صدق في هذا الخبر ولا برئ « 11 » ؛ فسرى بذلك من قوله ما كان في قلبي ، وأعلمته أنى أزيل عن قلب " جبريل " ما تأذى إليه « 12 » من الخبر الأول .
هامش
( 1 ) في ج ، د : " لك بك " .
( 2 ) في د : " فانسلك " .
( 3 ) هو أبو العباس أحمد بن هارون الرشيد " المعروف بالسبتى ؛ لأنه كان يعمل يوم السبت بما ينفقه في باقي أيام الأسبوع ، وكان قد ترك الدنيا وتزهد ، ولم يتعلق بأمور الحكم ، وآثر العزلة والانقطاع للعبادة وكانت وفاته سنة 184 ه في حياة والده . انظر في ترجمته : صفة الصفوة لابن الجوزي : 2 / 174 وفيات الأعيان لابن خلكان : 1 / 168 .
( 4 ) في ج ، د : " بحذاء " .
( 5 ) قنطرة البردان : محلة ببغداد بناها " السرى بن الحطم " صاحب قرية الحطمية ، ونسب إليها العديد من العلماء ، منهم : " الحكم بن موسى بن زهير " ، أبو صالح القنطرى ، و " محمد بن جعفر بن الحارث الخزاز القنطرى " و " علي بن داود التميمي القنطرى " و " محمد بن علي بن يحيى " ، أبو بكر الصباغ القنطرى ، وأبو بكر " محمد بن مسلم بن عبد الرحمن القنطرى " ، وغيرهم . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 4 / 460 .
( 6 ) في أ ، ج ، د : " ببعد المشقة " .
( 7 ) في ج ، د : " بحذاء " .
( 8 ) في أ : " أشهر أيام " .
( 9 ) في أ ، ج ، د : " شفعت " .
( 10 ) في ج ، د : " بمن " .
( 11 ) في أ : " الخبر ولا برئ " ، طبعة مولر : ط مؤدى " الخبر ولا بر " .
( 12 ) في أ : " به " .