فإلى هذا الزمن أو بعده بقليل كان زمام هذا الأمر بيد المشارقة يلتفتون فيه للموضوع الجامع ينتظم رجالا يؤلف بينهم الوجه والمقصد ، ولم يلتفتوا إلى أن يخصوا تلك الموسوعات الخاصة ببيئة بعينها يقصرون كتبهم عليها .
ولعلهم حين فعلوا ذلك كانت البيئة العربية عندهم وحدة لا تعرف الحدود والأفراد ، فهم وإن تنوّعت أوطانهم ، يلفّهم حبل واحد من الثقافة والتفكير . وكان يكفيهم أن يشيروا إلى الأرض التي تلقت المترجم له مولودا ، والتّربة التي انطوت عليه مفقودا ، لا يجعلون من هذه الأخيرة صفة مفرقة ، إذ كان الغرض الثقافي عندهم أشمل من الغرض البيئى ، فلم يخالفوا بين العباد ، وإن خالفت بينهم البلاد .
وهكذا نشأ هذا النوع من الموسوعات الخاصة في المشرق يمليه الغرض الجامع ، ولا يلتفت فيه إلى بيئة بذاتها .
ولكنه ما إن انتقل إلى أيدي المغاربة حتى جنحوا به هذا الجنوح البيئى . والحجة تكاد تنصفهم ، فهذا قطر ما بدأ يستقيم أمره حتى بدأ ينفصل عن الدولة المشرقية سياسيّا ، والكيان السياسىّ لا بد أن يظلّ كيانا أدبيّا علميّا ثقافيّا يتميز تميّزا يثير المنافسة ويشجع على البيئية ، حتى يقال : هذا مشرقى ! وذاك أندلسي ! .
ولقد كان ، فألف الحافظ قاسم بن محمد القرطبي المتوفى سنة 242 ه كتابه « أخبار صلحاء الأندلس » ، ثم خص عثمان بن ربيعة الأندلسىّ المتوفى سنة 310 ه شعراء الأندلس بكتاب سماه « طبقات شعراء الأندلس » . ومن بعده بنحو من مائة عام وضع أبو الحسن علىّ بن
المقتضب من كتاب تحفة القادم — صفحة 21
مساهمون: ابن الأبار
ص٢١