مقيمها ، ولا يكدر شرابها ، ولا يهجم قبابها ، ولا ييأس أربابها ، وكيف لا يعمل لها العاملون ، وينيب إليها المنيبون ، وأهلها في الغرفات آمنون ، وفي منازل اللذات قاطنون ، يميسون بين ثياب العبقري الأحمر ، والسندس الأخضر ، والطميم المدثر والدمقسي المصور . ثياب خلقها الجبار ، لم تصنع في هذه الدار ، ولم تر مثلها الأبصار ، لم تنسب إلى تنيس ودمياط ، ليست بقهرية ولا قوهية ولا سيرية ، ولا مفوفة مزورة ، ولا حضرمية محبرة ، ولا تنيسية مهلهلة ، ولا هشامية مثقلة ، ففي ذلك فليتنافس المنافسون « 1 » .
ومن كلامه عليه السّلام : ومن للمخف باللحاق ، إذا أرسلت « 2 » خيل السباق ، وألصق القطيع بالساق ، وكان إلى الحكم العادل المساق ، فكم من متجلد مقطوع الأباهر ، ومن ذي جلد للخد عاثر ، وكم من موفق فاز بقدح القامر ، وحد الواتر ، فمن أنهته القناعة إلى السعة فاز ، ومن أنهته الرغبة إلى الضيق عطب .
ومن كلامه عليه السّلام في هذا الكتاب قوله : فانظر إلى أمية الطاغية ، وفئتها الباغية ، وعزتها العالية ، ونخوتها السامية ، وسطوتها العاتية ، فهل ترى لها من باقية ؟ دهمتها الداهية النآد ، فألحقتها بظالمي قوم عاد ، بعد أن طغت في البلاد ، وأكثرت فيها الفساد ، ووثرت المهاد ، وثبت لها الوساد ، وملكت النجاد والوهاد ، حتى كان يخطب للواحد منهم كل يوم جمعة على ثمانين ألف منبر على رؤوس الأشهاد ، فأي طمأنينة أعظم من هذه ، فأحدث الله بعد أمر أمرا ، فأصبح المهنّى بهم معزى ،
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً
[ مريم : 98 ] فيا له من إزعاج ما آلمه وأهمه وبطش ما أشده وأطمّه ، وإن نظرت في أمر الجاهلية فكم من واعظة جلية ، أين العمالقة والأكاسرة ! والتبابعة والقياصرة ! والفراعنة
هامش
( 1 ) حديقة الحكمة النبوية 41 .
( 2 ) في ( أ ) : وقد أطلقت .