وآمره بتقديم الحجج القاطعة ، والبراهين الساطعة ، فيما يستنبط منه العلم ، ويستخرج منه الحكم ، فيبدأ بأعلاها طبقة ، وأسناها درجة ، وأسبقها حكمة ، وهو الحق اليقين ، والنور المبين ، كتاب الله العزيز ، وحرزه الحريز ، الهادي إلى الرشد ، والمنادي لدى الحشد ، والحجّة في التعرّف والتعريف ، والباقي مدى « 1 » التكليف ، المنجي من الردى ، والمرجى نحوه الهدى ، والمصباح الأزهر ، والصباح الأنور ، والمهيع الألوح ، والمشرع الأروح ، والعهد الذي لا يفسخ ، والقصد الذي لا ينسخ ، والمتين الذي لا يتضعضع ، والمكين الذي لا يتزعزع ، تجد عنده اليمن والأنس ، وعجز عنه الجنّ والإنس ، وانتفى عنه العمى واللبس ، وسكن إليه اللبّ والنفس ، شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ، فمهما حزنه مشكل ، أو دهاه حكم معضل ، فزع إلى نصوصه ، وفحّص معنى عمومه وخصوصه ، وائتمر بأوامره ، وانزجر عن زواجره ، وقام بحدوده ، وعمل بعهوده ، ولم يعده إلى ما عداه ، ما وجد فيه نصا أو فحواه ، فهو الأصل لما سواه ، لا تفترق مبانيه ، ولا تختلف معانيه :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] .
وآمره إذا أعوزه في هذه المظنّة أن يتطلبه فيما يتلوه من السنة فيتخذه للقضاء فصلا ، سواء ثبت قولا أو فعلا ، فهو الحجّة الثانية للقرآن ، والمحجّة التالية للفرقان ، والمضاهي له في الحجّة وإن فاضله في البهجة ، والمداني في الإيجاز ، وإن لم يبلغ حدّ الإعجاز ، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، إذا تواتر أوجب العلم والعمل ، وإذا تقاصر فروي بطريق الآحاد لزم العمل . فهما في وجوب العمل سيّان ، وإن اختير الظّن عند الآحاد ، وجرى التواتر مجرى العيان في الفؤاد ، فإن تعارض الخبران ، وتناقض المخبران ، فسبيل المجتهد أن يبحث عن
هامش
( 1 ) في ( أ ) : بقاء .