من بوادر الفتنة ، وملكهم أزمة قلوبهم ، ووقاهم شح نفوسهم ، وآنسهم برياض تنزيله ، وفهّمهم غوامض تأويله ، وجعل لهممهم مطالع في ملكوته ، ولضمائرهم مراتع في عظمته وجبروته ، حتى عزفت نفوسهم عن أكثر ما لهج الخلق به من الشهوات ، وثبتت أقدامهم حيث دحضت أقدام كثير من ذوي « 1 » الخطيئات
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[ إبراهيم : 27 ] . والحمد لله الذي جعل التوبة للمذنبين المسرفين على أنفسهم وسيلة ينالون بها متى أخلصوها كل فضيلة ، فقال الله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
إلى قوله :
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
[ الزمر : 53 - 55 ] ، وبلغنا أن الله تعالى أوحى إلى نبيه داود عليه السّلام ، أن أنذر الصديقين وبشر المذنبين ، فقال : يا رب كيف أنذر الصديقين وأبشر المذنبين ؟ فقال عز وجل : بشر المذنبين أني أقبل التوبة ، وأنذر الصديقين لئلا يغتروا بأعمالهم ، أو ما يرجع إلى هذا المعنى من اللفظ أو يقرب منه . وصلى الله على نبيه المبعوث نبي الرحمة المبعوث إلى كافة الأمة بالرأفة والرحمة محمد وآله ، ثم قال قدس الله روحه في باب ما يستعان به على التوبة [ 22 ] :
اعلم علّمك الله الخير أن من أراد أن يحصل « 2 » لنفسه منزلة التائبين ، فيجب أن يملأ قلبه خوفا وخشية ، لأن التوبة لا تكاد تتم ، وإن تمت لم تصف ولم تدم ما لم يصحبها الخوف والخشية ، ثم قال بعد ذلك :
واعلم أن الخوف للتوبة بمنزلة الأساس للأبنية ، فكما أن الأبنية إذا لم تكن
هامش
( 1 ) في ( ب ) من أهل الخطيئات .
( 2 ) في ( أ ) : يجعل .