ولقد رأيته يقرأ عليه جماعة من بعد الظهر إلى العصر وينتفعون نفعا عظيما ، ما يكادون ينتفعون على غيره كذلك ، وهذه بركة عظيمة .
وكان رحمة اللّه عليه أكثر ما يصلي في صلاة الجهر من المفصل ، وكنت أراه إذا كبر تكبيرة الإحرام لصلاة الظهر أو العصر يرفع صوته بها ويصفر اصفرارا زائدا كأنه قد نشر من قبره رحمة اللّه عليه .
كان رحمه اللّه كثير التواضع والدعاء والخوف والتفكر والبكاء .
وسمعته يقول أول ما جاء الفرنج خذلهم اللّه إلى دمياط يقول في دعائه :
اللهم لا تؤاخذ المسلمين بذنوبي ، وكان إذا دعا يبكي ويبكي رحمة اللّه عليه .
وحكى صاحب لي قال : مررنا يوما مع الشيخ العماد قدس اللّه روحه إلى مقام إبراهيم عليه السلام ، فركع ما شاء اللّه وسجد ، ثم كشف رأسه ودعا دعاء كثيرا وبكى وبكّى الناس ، حتى جعل الناس يضجون ويصرخون مما جرى عليهم ، وكانت ساعة مشهودة .
وكنت واللّه إذا أحسست من قلبي قسوة أتيت إلى عنده فنظرت إليه فزالت تلك القسوة ، فرحمة اللّه عليه ، كما قد جاء عن بعضهم قال : كنت إذا أحسست من قلبي قسوة أتيت محمد بن واسع فنظرت في وجهه فزالت تلك القسوة أو كما قال : وكان محمد بن واسع يقول : يا أخي ، أخوك من وعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه .
وكان شيخنا عماد الدين من كثرة حزنه وخوفه كأن وجهه وجه ثكلى .
وبلغني عنه - قدس اللّه روحه - لما زار القدس وزار الخليل عليه السلام فعل كما فعل في المقام أو أكثر ، أو كما قيل .
وكان شيخنا موفق الدين إذا جاء ليصلي بالجماعة يقوم إليه الشيخ العماد يصافحه ويقبل يده ويرفع نعليه ويجلس بين يديه .
الفتح المبين في المشيخة البلدانية — صفحة 178
مساهمون: محمد المقدسي الحنبلي
ص١٧٨