الفلاسفة والأحبار قريبا من أربع مئة ، وكذلك طافوا بها وتكلّموا بشيء ، وجاءت جماعة من الشيوخ ، وطافوا حولها وتكلّموا وذهبوا ، وجاءت جماعة من الجواري الحسان الصباح الوجوه ، أكثر من مئتين ، ومع كل واحدة صفحة من الذهب والفضة ، والجواهر والآلىء ، وطافت بالخيمة ، وتكلّمت وذهبت ، ثم جاء قيصر ملك الروم والوزير الكبير معه ، ودخلا الخيمة وخرجا ، قال الحسن : وأنا متعجّب متحيّر في هذا الأمر ، فسألت الوزير عن هذا الحال ، قال كان لملك الروم ابن صاحب جمال وكياسة وعلم ، لا يوجد في الدّنيا نظيره ، وكان له شجاعة وسخاوة ولطف وكرم ، وكان أبوه يحبّه محبّة شديدة ، فعرض له مرض عجز الأطباء والحكماء عن معالجته ، ولم ينفعه شيء من المعالجة والمداواة .
أقول : كما قيل « 1 » :
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
واللّه أعلم .
ثم توفّى ، ودفن في هذا المكان « 2 » ، والملك يأتي لزيارته في كلّ سنة مرّة مع هذه الطوائف ، ويقول : كلّ بابن الملك ، لو قبل فيك فداء لفديناك بأنفسنا وأجسادنا ، ولو حصل المقصود بالشفاعة لشفعنا ، أو بالمحاربة لحاربنا ، أو بالمال والجواري لأعطينا ، ولو نفع العلم والحكمة والفلسفة لعملنا « 3 » ، لكن قد أماتك من لا يمكن المعارضة معه ، ولا تنفع الحيلة ، ولا تفيد المبارزة والمحاربة ، ثم يدخل الملك في الخيمة ويقول : يا ولدي ، ويا قرّة عيني ، ويا ثمرة فؤادي ، ويا فلذة كبدي ، جئت بالأجناد الملبّسة ، والعساكر المسلّحة ، والشيوخ المكرمة ، والجواري المنعّمة ، والأموال المجتمعة ، والحكماء
هامش
( 1 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي . انظر المفضليات 422 القصيدة ( 126 ) .
( 2 ) في ( أ ) : وفي نسخة : في هذه الخيمة .
( 3 ) في ( أ ) : لعلمنا .