نصيحة الخلق ، وطلبت الفخر فوجدته في الفقر ، وطلبت السّنة فوجدتها في التقوى ، وطلبت الشرف فوجدته في القناعة ، وطلبت الراحة فوجدتها في الزهد .
ونقل عن بعض جيرانه : أنه قال : كنا نظنّ أنّ أويسا مجنون ، وكان يمضي عليه سنون ولا يكون له شيء من الدنيا ، وكان يصوم ، وما يكون له شيء يفطر عليه ، وإن وجد تمرا كان يفطر عليه ، وإن وجد كان يتصدّق به ، وقد جمع من المزابل خرقا وغسلها وخاطها ، وجعل شيئا يسيرا يستر عورته وجسده ، فيا عجبا نفس الرحمن تفوح من بين هذه الأشياء .
وكان يخرج إلى الصحراء بعد صلاة الصّبح ويرجع بعد صلاة العشاء .
وإذا رأى الصبيان في المحلّة يضربونه بحصيّات ، وكان يقول : إن ساقي دقيق ، إن ترموني ارموا بالحصيّات الصغار ؛ لئلا ينكسر ساقي ، ولا يدمى ويمنعني « 1 » من الصلاة ، إذ لا مبالاة لي بالساق ؛ بل بالصلاة .
وحكي أنّه ظهر على أعضائه في آخر عمره بياض ، وهو في تلك الحال ، وحضر وقعة صفين ، ووافق عليّا ، وحارب موافقة له حتى استشهد رضي اللّه عنه .
واعلم أنّ بعضا من الأولياء يسمى أويسا « 2 » ، ومعناه لا حاجة له إلى الإرشاد من مرشد ، فإنه يربّى بالفيض الإلهي ، وبركة النور النبوي . وهذا مقام عال
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ الحديد : 21 ] .
* * *
هامش
( 1 ) في ( ب ) يضربونه بالحصيات الصغار . . لم ترموني ، ارموا . . ساقي ولا يدي ويمنعني .
( 2 ) كذا في الأصلين ، وفي المطبوع من الترجمة صفحة 212 : اعلم أن هناك قوما يسمّون أويسيين ، ولا حاجة لهم بشيخ ؛ لأن النبوّة تربّيهم .