المفخمة ، ولا ينفع فيك حيلة ولا تدبير ، والسلام عليك إلى سنة أخرى ، ويرجع .
فلمّا سمع الحسن هذا الكلام من الوزير ، وعرف هذا المعنى وأثّر في قلبه تأثيرا بليغا ، فعزم في الحال على الرجوع ، ورجع إلى البصرة ، وحلف أن لا يضحك في الدنيا حتّى يتحقّق عاقبة أمره ، واجتهد في العبادة ، واشتغل بالمجاهدة إلى حدّ لم يمكن فوقه لم يتيسّر لأحد مثله ، حتى حكي أنه ما نقض الوضوء « 1 » إلّا في الخلاء سبعين سنة ، وبالغ في العزلة عن الخلق حتى قطع آماله عنهم ، لا جرم فاق الجميع .
وحكي أنّ رجلا قام في مجمع وقال : لم تفوّق علينا الحسن ، وارتفع شأنه ؟
وكان واحد من الأكابر حاضرا هناك ، فقال : لاحتياج الكلّ إلى علمه ، وهو لا يحتاج إلى أحد مقدار شعيرة ، والكلّ محتاج إليه في الدين ، وهو فارغ من دنياهم ؛ لأجل هذا صار مقتدى للجميع .
نقل : أنّه كان يعظ الناس في أسبوع مرة ، فلو أنّه حضر المجلس للميعاد ، ولم تكن رابعة العدوية حاضرة لترك الوعظ ، فقيل له : يا شيخ ، كم يحضر من الأكابر والأشراف ! ولا تشتغل بالوعظ لهم ، وتشتغل به لأجل امرأة مقنّعة ! فقال : لأنّا نحصّل شرابا للفيل ، فكيف نصبّه في حوصلة البغاث « 2 » ؟ !
وقيل : إنّه حين يشتدّ الحال على الحاضرين بحيث تكاد أفئدتهم تحترق ، وأعينهم تفيض دموعا كان يتوجّه إلى رابعة ، ويقول : يا مقنّعة ، هذا من جمرات قلبك .
قيل له : ما الإسلام ؟ ومن المسلم ؟ قال : الإسلام الذي ذكروه في الكتب الفقهية ، والمسلمون تحت التراب .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : حتى ما كان ينقض الوضوء .
( 2 ) كذا في الأصلين ، وفي المطبوع المترجم صفحة 216 : يقول : إننا لا نستطيع صبّ الحساء - التي تكون قد أعددناها من أجل حوصلة الأفيال - في صدور النمل .
والبغاث : طير ضعيف صغير .