مسدود ، فكيف الخلاص والخروج ؟ فأشار إلى الحائط ، فانصدع ، فخرجوا ، فقالوا : ألم تكن معنا ؟ قال : لا إجازة لخروجي . فلمّا انفجر الفجر أتى السجّان ، وتفقّد السجن ، فرآه خاليا غير الحلاج ، فقال له : أين رفقاؤك ؟ قال :
قد أعتقتهم . فقال له : لم لم تفرّ أنت ؟ قال : إنّ اللّه تعالى معي ، دخلت بإذنه ، ولا أخرج إلا بإذنه .
فبلغ الخبر إلى الخليفة ، فقال : إنّي أخاف أن يبعث الفتنة ، فأحضروه .
فأتوا به عند الخليفة ، فضربه ثلاث مئة سوط ، فلمّا وقع عليه السوط سمع الجلاد منه : لا تخف يا بن منصور . قال عبد الجليل الصفّار رحمه اللّه تعالى :
إنّ حسن اعتقاد الجلّاد أزيد من الحلاج ، حيث كان يسمع الكلام من العصا لم يخف ، ولم يسقط العصا من يده ، ولم يرتعش لصلابته وقوّته في الدين وأمر الشرع .
ثم رفعوه ، فقام وقال : الحقّ أنا الحق . فقيّدوه بثلاثة عشر قيدا ثقيلا ، ثم أرسله الخليفة إلى السياسة والمصلب بفتوى العلماء ، فاجتمع أهل بغداد كلّهم عليه ، وكان الحلّاج يتبختر في مشيه في العرصة كما يتبختر المبارز المقاتل في الصفّين . قيل له : هل هذا محلّ التبختر ، وقد حافوا عليك ؟ قال : لا حيف عليّ لأن اليوم يوم وصول العاشق إلى معشوقه ، وهو يوم التبختر ، ثم صاح وأنشد :
نديمي غير منسوب * إلى شيء من الحيف
سقاني مثلما يشر * ب سقي الضّيف للضيف
فلمّا دارت الكأس * دعا بالنّطع والسيف
كذا من يشرب الرّاح * مع التنين في الصيف
فقال الرجل : يا بن منصور ، ما العشق ؟ قال : ترى صاحبه اليوم وغدا وبعد غد .
ثم لمّا انتهى المسامير والصلب في باب الطاق ، قبّل السّلّم ، وقال : ذلك معراج التصوف . وتهيّأ الناس أن يرجموه بالحجر ، فقال بعض مريديه :