تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 871

مساهمون:

ص٨٧١
قطرة من دمه ، يرسم شكل ( أنا الحق ) في موقعه ، فكثر صوت ( أنا الحق ) ممّا وقع من الدماء في موقعها ، ومن كلّ الأعضاء المقطوعة . فقالوا : إنّ فتنة موته كانت أفتن من فتنة حياته . فجعلوا كلّ واحد من الرأس والبدن قطعة قطعة صغارا ، فلمّا أصبحوا سمعوا صوت ( أنا الحق ) من دقائق القطاع ، فجمعوا القطاع بكرة وأحرقوها ، وكان صعد صوت ( أنا الحق ) من كلّ ذرات الرماد . ثم في اليوم الثالث ذرّوا الرماد بالريح ، فوقع شيء من غباره في الدجلة ، فعلا الماء وطغى ، فكاد يغرق بغداد وأهلها ، وكان للحلاج خادم خافق ، وكان أوصى قبل موته وقال : لو كان الناس إذا جعلوني كذا وكذا ، وطغى الماء ألق خرقتي في الدجلة ، وإلّا هلك الناس ، وخربت بغداد . ثم إنّ الخادم ألقى خرقته كما أمر ، فسكن الماء وتنزّل ، ونجا الناس . ثم دفنوا بقية رماده تحت الأرض . قال أبو عباس بن عطاء : رأيت أنّ ابن منصور يؤتى يوم القيامة مقيّدا بالزناجير ، ولو أتى عاريا عن القيد لضرب أهل العرصات بعضهم بعضا . قال الشبلي : لما دفن رماده قمت عليه بالصلاة والمناجاة ، فقلت في نفسي : فيا عجبا إنّ عارفا من عرفاء عباد اللّه ابتلي بهذا البلاء ؟ ! فجاء الخطاب في سمعي : إنّا ابتلينا الحلاج لإفشاء سرّي إلى الغير . قال واحد من المشايخ : ولمّا ساسوا ابن منصور قمت ليلة ، فسمعت صوتا وقت السحر ، قال : قد أطلعنا ابن المنصور على سرّ من أسرارنا ، فأفشى سرّنا ، فهذا جزاء من أفشى سرّ الملوك . روي : أنه لمّا أحضر الحلاج محلّ السياسة ، جاء إبليس ، فقال : يا بن منصور ، كنت قلت : ( أنا ) مرّة ، وقلت أنت ( أنا الحق ) مرارا كثيرة ، فكنت أنا ملعونا مطرودا من روح اللّه ، وكنت مقبولا عند اللّه ، فما الحكمة ؟ فأجاب الحلاج وقال : أردت أنت بقولك ( أنا ) خالصا بوجود نفسك ، وأنا قلت ( أنا ) عند فقدان وجودي وفنائه . قال إبليس : صدقت ، ومضى سبيله « 1 » .
هامش
( 1 ) إلى هنا تنتهي الترجمة .