فلمّا شاع من الحسين كلمة ( أنا الحق ) ، قيل لجنيد : هل لكلام الحسين تأويل ؟ قال : لا تأويل له سوى القتل .
ثم إنّ العلماء اجتمعوا عند الخليفة المقتدر باللّه بن المعتضد باللّه ، وقالوا :
ما قاله يوجب الحدّ ، فإن لم يرجع فالقتل .
وكان وزيره عليّ بن موسى أرسل الحسين إلى السجن ، ومكث فيه سنة وخمسة أشهر ، أرسل ابن العطاء إليه : فليرجع بما قال حتى تخلص له . كتب له الحسين : فليقل ابن العطاء بهذا النصح لمن يكلّمني به . فلمّا سمعه ابن العطاء بكى ، وتعجّب من صلابته ، وقال : ما مثل الحسين في بذل نفسه .
روي أنه لمّا سجن جاء أحبّاؤه ليلا ، فلم يجدوه في السجن ، ثم جاؤوا في الليلة الثانية ، فلم يجدوا السجن أيضا ، ثم جاؤوا في الليلة الثالثة فوجدوهما ، فقالوا : يا أستاذنا ، ما الحكمة لم نجدك في الليلة الأولى ، ولا السجن في الثانية ، ووجدناكما في الثالثة ؟ قال : كنت ذهبت في الليلة الأولى عند الحقّ ، وجاء الحقّ عندنا في الليلة الثانية ، ولذا لم تروا السجن ، فالليلة تجرّدت لرعاية الشرع .
روي : أن جنيدا قال للحلاج : إنك تحمّر شجرة المصلب يوما . فقال الحلاج : نعم ، إنّي أحمّر الشجرة بالدم ، وأنت في ذلك اليوم تخلع خرقة الصوفية ، وتتردّى برداء العلماء الظاهرة . ثم لمّا كتب العلماء الفتوى بقتل الحسين ، خرج جنيد من الخانقاه ، ودخل المدرسة ، ولبس رداء العلماء ، وقال : نحن نحكم بالظاهر في قتله ، واللّه يعلم باطنه .
وروي : أنه لمّا ألقوه في السجن ، وكان فيه ثلاث مئة رجل ، قال لهم الحلاج ليلة : يا أهل السجن ، أتريدون أن أخلّصكم ؟ قالوا : لو تملك لتخلّص نفسك أولى . فقال : أنا لا أريد خلاصي ؛ لأنّي في حبس اللّه تعالى ، فلو أردتم أن أحلّ قيد أيديكم وأرجلكم ليرفع بإشارة . قالوا : فافعل إن كنت من الصادقين . فأشار بأصبعه ، فرفع قيودهم ، فقالوا : سلمنا من القيد ؛ لكنّ الباب
تذكرة الأولياء — صفحة 868
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٨٦٨