يا أستاذنا ، ما تقول لنا ؟ إن المنكرين يرمونك بالحجر . قال الحلاج : فإنّ لهم أجرين ولكم أجر واحد . قالوا : بيّن لنا كيفية الحال ؟ قال : لأنّ رميهم ينشأ من توحيدهم وصلابتهم في الشريعة ، وأنتم لا تراعون أمر الشرع بحسن ظنّكم إيّاي ، وهو فرع التوحيد ، فالعمل بالأصل أقوى .
فقال الشبلي رحمه اللّه تعالى : ما التصوف يا حلاج ؟ قال : فأدنى مقامه تراه عليّ في الساعة . فقال الشبلي : فما أعلى مقامه ؟ قال : لا سبيل لك في معرفته .
ثم لمّا صعد على المصلب رماه الناس بالحجر ، فوافقهم الشبليّ ، ورماه بالورد ، فتأوّه الحلاج ، قيل له : تأذّيت بورد الشبلي ، ولم تتأذّ بأحجار الناس ! قال : ورد العارف أشدّ من بلية ذباب الأجانب .
ثم قطعوا يدي الحسين الحلاج ، فتبسّم أيضا . قيل له : هل هذا محل الضحك ؟ قال : فإنّ المقطوع يد الصورة ، ويد القدرة باقية ، فإن تقدروا فاقطعوها ، وهي يد الصفات . ثم قطعوا رجليه ، فتبسّم أيضا ، فقال : رجل الصورة تطأ على التراب ، فلي رجلان أقطع بهما منازل الكونين في خطوة ، وأطأ على العرش في الثانية . ثم مسح دم يديه بوجهه وبساعديه إلى مرفقيه ، قالوا : ما تفعل به ؟ قال : أتوضّأ به ، فوضوء صلاة يكون بدم العاشق . ثم أرادوا قطع لسانه ، فالناس بعضهم يبكي ، وبعضهم يفرح ويرمي ، فقال : أمهلوني .
فتوجّه إلى السماء ، وقال : إلهي ، إن هؤلاء الجماعة قد أتعبوا أنفسهم فيّ برمي الحجارة عليّ ، فاعف عنهم ، واغفر لهم بتعبهم ، ولا تجعلهم محرومين من أجور الإطاعة في أمر الشرع .
وكانت امرأة تمرّ عليه ، فرأت سياسته ، وقالت : عجّلوا ، وشدّدوا في الرمي والقطع على هذا الملحد الذي يدّعي الاتحاد بالحق .
فكان آخر قوله هذه الآية
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
[ الشورى : 18 ] ثم قطعوا لسانه ، فلمّا كان كلّ عضو منه مقطوعا ، قال بدنه : أنا الحق . ثم قطعوا رأسه وقت المغرب ، فكلّما وقع