له : إنّ اللّه يعلّمك ، فلو لم يعلّمك غيره لكان خيرا ، ثم قال لهما : انصرفا ، فإنّ القيامة قريب ، وسنلتقي فيها ولا نفترق ، وإنّي الآن مشغول بتحصيل زادها .
ولمّا علم أهل قرن أنّ لأويس اعتبارا وقدرا ومحلّا ، فارقهم ، وذهب إلى الكوفة ، وما رآه بعد ذلك إلا هرم بن حيّان « 1 » ، فإنه قال : سمعت أن شفاعته مقبولة ، قصدته ، إذ غلب عليّ الاشتياق دخلت إلى الكوفة وطلبته ، فما وجدته حتى التقيت به في شاطئ الفرات يتوضأ ، فعرفته بالعلامة ، فرحت إليه ، وسلّمت عليه ، فردّ الجواب ، ونظر إليّ ، فأردت تقبيل يده ، فمنعني ، فقلت :
رحمك اللّه يا أويس وغفر لك ، كيف حالك ؟ وغلبني البكاء رقّة عليه لما رأيت من ضعفه ، فبكى هو أيضا ، وقال : يا هرم بن حيان ، من دلّك عليّ ؟ قلت :
كيف عرفت اسمي واسم أبي ؟ قال نبّأني العليم الخبير ، وعرّف روحي روحك ؛ فإنّ بين أرواح المؤمنين تعارفا . فقال له هرم : حدّثني عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثا . قال : ما صاحبت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن سمعت بعض أخباره من غيره صلى اللّه عليه وسلم ، ولا أحبّ أن أفتح عليّ باب الإفتاء والتذكير ؛ فإنّ لي شغلا قد شغلني عن ذلك . فقال : قلت : أحبّ أن أسمع منك آية من القرآن . فأمسك بيدي ، وقال :
أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، وبكى بكاء عظيما ، ثم قال : يقول اللّه تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ]
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 ) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 40 ) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 41 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
[ الدخان : 38 - 42 ] ثم شهق شهقة ، ما أدري أنّه هل بقي عقله أم لا ؟ ثم قال : يا هرم بن حيان ، لم جئت إليّ ؟ قلت : لأستأنس بك وأستريح . قال : لا أدري ، أنّ من عرف اللّه تعالى كيف يستأنس بغيره ، وكيف يستريح مع غيره ؟ قال : قلت : أوصني . قال : اجعل الموت تحت رأسك ،
هامش
( 1 ) هو هرم بن حيّان العبدي الأزدي ، من بني عبد القيس ، قائد فاتح ، من كبار النسّاك من التابعين ، ولي بعض الحروب في أيام عمر وعثمان بأرض فارس ، مات سنة 26 للهجرة في إحدى غزواته . وجعله الجاحظ من النسّاك الزهاد من أهل البيان .