إلى ثلاثة أيام ، وفي هذه المدّة ما نام ولا أكل « 1 » حتى في الليلة الرابعة نعس قليلا ، فتنبّه وناجى ربّه ، وقال : اللهم ، إنّي أعوذ بك من العين الكثيرة النوم ، ومن البطن الكثيرة الأكل . قلت في نفسي : هذا يكفيني ، ولا أشوّشه ، فذهبت وتركته .
نقل : أنه كان ما نام في جميع عمره ، بل كان يقول : هذه ليلة القيام ، وفي ليلة أخرى : هذه ليلة الركوع ، وفي أخرى : هذه ليلة السجود ، وكلّ ليلة يشتغل بنوع من العبادة ، قيل له : يا أويس ، كيف تطيق سجدة في ليلة ! ؟ قال : أقول في سجدة : سبحان ربّي الأعلى مرّة ، فيطلع الصبح . قيل له : ما الخضوع في الصلاة ؟ قال : لو طعن برمح ما أحسّ . قيل له : كيف أنت ؟ قال : كيف يكون من يصبح ولا يدري أنّه يعيش إلى المساء أم لا ؟ قيل له : كيف الشغل ؟ قال :
واقلّة زاداه ، وأطول طريقاه « 2 » ، آه من طول السفر ، وقلّة الزاد .
وقال : إن عبدت اللّه تعالى ملء السماوات وملء الأرض ، لا يقبل حتى تصدّقه . قيل : وكيف تصدّقه ؟ قال : تأمن بما تكفّل لك ، ويصير قلبك فارغا ، حتى لا تشتغل بغير عبادته .
وقال : من أحبّ ثلاثة أشياء صارت جهنّم أقرب إليه من حبل الوريد :
الطعام اللذيذ ، والملابس النفيسة ، والمجالسة مع الأغنياء .
قيل لأويس : في جوارك رجل قد حفر قبرا منذ ثلاثين سنة ، وتقلّد بكفن ، وقعد على شفير القبر ، ولا قرار له ليلا ولا نهارا . فقال : اذهبوا بي إليه . فلمّا رآه قال : يا ناحلا جسده ، مصفرّا وجهه ، باكية عيناه . قال : شغلك القبر عن اللّه « 3 » . فاستنار قلب الرجل ببركة أويس ، وصاح صيحة ؛ لأنّه قد كشف
هامش
( 1 ) جاء في هامش ( أ ) : وهذا صوم الوصال ، وهو مكروه في السنّة ، ونهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عنه ، كذا في البخاري ، ولم يصدر عن الأويس رضي اللّه عنه .
( 2 ) في ( ب ) : وأطول طريقا .
( 3 ) في ( ب ) : شغلك الغير عن اللّه .