وروي أن الشّبليّ قال : ذهبت إلى قبره تلك الليلة ، وصلّيت حتى الصباح ، وناجيت اللّه عند السحر ، وقلت : إلهي ، كان هذا عبدك ، ومؤمنا وعارفا وموحّدا ، فلماذا أنزلت به هذا البلاء ؟ فغلبني النوم ، فرأيت أنّ القيامة قامت ، وجاء نداء من الحقّ : فعلت هذا لأنه أفشى سرّنا للغير .
وروي عن الشّبلي قوله : رأيت الحسين في المنام ، فقلت : ماذا فعل اللّه تعالى بأولئك القوم ؟ فقال : رحم الفريقين ، فمن أشفق عليّ فقد عرفني ، ومن عاداني لم يعرفني ، فعاداني لأجل الحقّ ، فرحم الاثنين ؛ لأن كليهما كان معذورا .
ورآه آخر واقفا في القيامة بيده كأس ، وليس على جسده رأس ، فقال ما هذا ؟ فأجاب : إنّه يعطي الكؤوس لمقطوعي الرؤوس .
وروي أنه عندما علّق على المنصّة جاءه إبليس وقال : لقد قلت مرة ( أنا ) « 1 » ، ومرّة قلت أنا ذلك ، فنزلت عليك من تلك الرحمة ، وعليّ من هذه اللعنة . فقال الحلاج : أنت أخذت ( أناك ) لنفسك ، وأنا أبعدتها عن نفسي ، فنزلت عليّ الرحمة ، وأنت ليس كما رأيت وسمعت لتعرف أن عمل ( أنا ) ليس حسنا ، وإنّ إبعاد ( الأنا ) عن النفس في غاية الحسن « 2 » .
* * *
هامش
( 1 ) جاء قوله :أَنَا خَيْرٌ مِنْهُفي الآية ( 12 ) من سورة الأعراف ، والآية ( 76 ) من سورة ص .
( 2 ) اعلم أن أهل القبلة كلهم لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج ، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقيّ هالك ، فهذا الصدّيق فرد الأمة قد علمت تفرّقهم فيه ، وكذلك عمر ، وكذلك عثمان ، وكذلك علي . فما بالك بالحلّاج ، ولا أجد أفضل من كلمة حقّ قالها مؤرخ الإسلام الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء 14 / 351 : ويمكن أن يكون تزندق في وقت ، ومرق وادّعى الإلهية ، وعمل السحر والمخاريق الباطلة مدّة ، ثمّ لمّا نزل به البلاء ، ورأى الموت الأحمر أسلم ورجع إلى الحق ، واللّه أعلم بسرّه . فانظر إلى قوله : ( ويمكن ) ، ثم انظر إلى قوله : ( أسلم ورجع إلى الحقّ ) .