فقلت للشيخ أبي الفضل : أتمنّى أن أسمع من فمك تفسير قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] ، فقال : انتظر حتى سدول الظلام ، فالليل ستّار السرّ .
وحين جنّ عليهم الليل ، قال : كن قارئا لأكون مذكّرا . قال : فتلوت قوله تعالى
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
، ففسّرها سبع مئة تفسير لم يكن فيها تكرار ، ولم يشبه أحدها الآخر إلى أن طلع الصبح ، فقال : ذهب الليل ، ونحن لم نتكلّم بعد عن الحزن والسرور ، ولم ينته حديثنا . فسألته : ما هو السرّ ؟ فقال : أنت . قلت : وما سرّ السرّ ؟ قال : أنت أيضا .
روي أنّه قيل للشيخ : إنّ المطر لا يهطل ، فادع لكي يهطل . وفي تلك الليلة أمطرت السماء بردا كبارا ، فسئل في اليوم التالي : ماذا فعلت ؟ فأجاب : أكلت عويثة « 1 » . أي أنني قطب ، وحين أبرد يبرد العالم الذي يدور حولي .
وروي أنّه طلب إليه : ادع لهذا السلطان ؛ لعلّه يصبح أفضل لتزول المظالم .
فأطرق هنيهة وقال : دعكم من هذا ، فأنتم ترونه الآن بينكم ، وتتذكّرون الماضي ، وتتحدّثون عن المستقبل ، فكونوا أهل زمانكم .
وقال : حقيقة العبودية أمران : حسن الافتقار إلى اللّه ، وهو من أصول العبودية ، وحسن الاقتداء برسول اللّه ، وهو أن تكون النفس فيه لا راحة لها .
وروي أنّه لما دنت وفاته قيل له : أندفنك في المقبرة الفلانية ؛ فهي مقبرة المشايخ والعظام ؟ فقال : اللّه اللّه ، ومن أكون لتدفنوني إلى جوار قوم كهؤلاء ! ادفنوني فوق ذلك التلّ حيث دفن المقامرون والفسّاق ، فهم إلى رحمة اللّه أقرب ، وأغلب الماء يعطى للعطاشى . فرحمة اللّه عليه .
* * *
هامش
( 1 ) في لسان العرب ( عوث ) : العويثة : قرص يعالج من البقلة الحمقاء بزيت ( المترجم ) .