نقل أنه سمع أنّ فلانا من الفقراء انزوى في زاوية مدّة مديدة ، وصار جسمه من الرياضة كالخلال ، فأرسل إليه : أنّ المناسب لحالك أن تلفّ جميع ما عملت في لقمة ، وتطعمها فقيرا وتخلص .
أقول : يشير إلى أنّه كان معجبا في نفسه بسبب رياضته ومجاهدته ، فأمره بترك العجب ، فإنه من أشدّ المهلكات للسالك ، لأنه حجاب عظيم بينه وبين الحقّ ، وهو لا يصل إلى المقصود الأعظم إلّا برفع الحجب كلّها . [ واللّه أعلم ] .
نقل أن الشيخ رحمه اللّه كان في صحبة بالنهار ، وكان هناك جماعة من أهل الغناء ، ولم يحصل لأحد من الصوفية ذوق ، ولا هاج فيهم شوق ، مع أنّ المغنّين اجتهدوا كثيرا ، ثم إنّ الشيخ رحمه اللّه دعا إليه الخادم ، وأمره أن يجعل عصا على صورة امرأة بإزار ، ويضعها على طرف السطح ، بحيث يراها الجماعة ، ولا يعلمون حقيقتها ، ففعل الخادم ، وبعد ذلك شرع المغنّون في الغناء ، والصوفية في السماع ، وحصل لهم شوق وذوق ، ووجدوا حالا فوق الوصف ، حتى صاحوا ومزّقوا الخرق ، فلمّا قضوا من السماع أوطارهم ، وعرف الشيخ أحوالهم وأفكارهم ، أمر الخادم بأن يكشف سرّ تلك « 1 » الهيئة ، ليعرف الحاضرون من أنّ هيجان أشواقهم لأيّ شيء كان .
أقول : يشير أولا إلى أنّهم تواجدوا - أي أظهروا الوجد - وتواجدهم أيضا ما كان إلّا لتوهّمهم أن تلك الصورة امرأة ، وتخيّلوا صورة مستملحة جليلة ، فلها صاحوا واضطربوا ، وأنهم لا حظّ لهم من مقام الوجد الحقيقي ، والشوق التحقيقي ، ومقصوده رحمه اللّه تنبيههم على خطئهم ، وردّهم عنه إلى الصواب ، وفي هذا إشارة أخرى إلى أنّ المحبّين للدنيا ، المشتغلين بعمارتها ، الذين يصرفون أعمارهم النفيسة في طلبها وحبّها سيكشف لهم عن محبوبهم ، ليطّلعوا على قباحته ، فيعلموا أنّهم خسروا فيه خسرانا مهينا ، وضلّوا ضلالا بعيدا ،
هامش
( 1 ) الأصل : بأن يكشف للشيخ سر تلك .