تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 779

مساهمون:

ص٧٧٩
صورة الإنسان ، وهيئة الصلحاء ، ولا بدّ له من تأديب ، وزجرة تأديبه أن تخلع منه خرقة الصّوفية ؛ لئلا يغترّ به غيري ، ويعلم الخلق أنّه من الأشرار لا من الأخيار ، فندم الصوفيّ على ما فعل ، وتاب واستغفر ، وندم عمّا فعل ، والشيخ رحمه اللّه طيّب خاطر الكلب ، وطاب وقت الكلب والحاضرين جميعا . نقل أن صديقا للشيخ رحمه اللّه قد وصّاه بأنّه إذا جاء إليه شخص من الصّلحاء يرسله إليه ليخدمه وينال بذلك ثوابا ، فاتّفق أن تلميذين من تلاميذ الشيخ دخلا مسجدا ، فأبصرا فيه رجلا كلّما كان يتحرّك يستضيء المسجد من حركته ، فتعجّبا من ذلك ، وقالا : ظننّا أنّه ليس على وجه الأرض أحد مثل أبي سعيد . فرجعا إلى الخانقاه ، وأخبرا الشيخ بما أبصرا من حال الرجل ، فإذا الرجل دخل عليهم ، فقال الشيخ : هذا طلبة ذلك الصديق . وأرسله إليه ، فسرّ به ذلك الشخص ، وقدّم إليه في الحال طعاما ، فرفع الرجل لقمة ، ووقف زمانا ، وكان يحرّك شفتيه بكلام خفيّ ، ثم وضعها في فيه ، ثم رفع لقمة أخرى ، وتوقف كثيرا ، وقال أيضا كلاما ما سمعه الحاضرون ، فلم يصبر صاحب الطعام ، وألحّ عليه ليأكله ، وقال : إنّه حلال لا شبهة فيه . فما أكل تلك اللقمة ؛ بل وضعها على الأرض ، فتحيّر صاحب البيت ، وجاء إلى الشيخ ، فسأل منه هذا الحال ، ثم لمّا اتّفق الحضور ، سأله عمّا جرى ، فقال : رفعت اللّقمة أولا ، وقلت : إلهي ، أحسن إلى هذا الرجل ، وبعزّتك لا آكل هذه اللقمة إلّا بعد أن توسّع عليه الرزق في الدنيا ، حتى كشف اللّه تعالى أنه استجاب دعائي ، هذا في حقّه ، ثم أخذت اللقمة الثانية وقلت : إلهي ، ما آكل هذه اللقمة إلّا بعد أن أعلم أنّك قد خفّفت عليه الحساب ، وثقّلت له ميزان الحسنات ، وعفوت عنه ، ونجّيته من عذاب النار . فجاء إليّ خطاب من ربّ العالمين على طريقة الإلهام : أنّه استجاب دعائي هذا أيضا في حقّه ، ثم رفعت الثالثة ، وقلت : إلهي أطلب منك أن ترزقه المعرفة والولاية ، فلم يصبر صاحب الطعام ، وشوّشني بالإلحاح والمبالغة ، حتى تشوّشت وتركت ، ولعلّه لم يكن أهلا لهذه المرتبة السنية والمنقبة العلية .