اليهوديّ وما أعطى ، ثم رجع وطلب ، فاليهودي نهره ، ثم طلب ثالثا فزجره ، وهكذا إلى أربعين مرة ، وفي كلّ مرّة يسبّه اليهوديّ ، ويقول في وجهه الخنا والمكروه ، وهو ما كان يتأذّى ويتألّم من كلامه ، وإن كان يؤذيه كلّ يوم بنوع من الإيذاء ، ولمّا رآه اليهوديّ أنّه لا يتغيّر ولا يرجع عن السؤال ، قال له متعجّبا من حاله : من أنت ! فإنّك لأجل نصف الدانق تحتمل جفاء عظيما . فقال له النصر اباذي : الفقير إن تغيّر من حاله لا يكون فقيرا ، ولا يسلم منه دعوى الفقراء ، قد تحمل عليه مثل الجبل في الثقل ، فإذا لم يكن له طاقة حمل له ، فكيف يحمل مثل الجبل ؟ فأثّر كلامه في اليهودي ، وأسلم من ساعته ببركة حلم الشيخ .
نقل أنّه حجّ أربعين حجّة على التوكّل ، ثم رأى يوما من الأيام كلبا ضعيفا جائعا بمكّة شرّفها اللّه تعالى ، ولم يكن له شيء يشتري به طعاما ويطعم الكلب ، فنادى وقال : من يشتري أربعين حجّة برغيف ؟ فجاء رجل وأعطاه رغيفا ، وأشهد جماعة على الحال ، والشيخ تسلّم الرغيف ، وأطعم الكلب ، فخرج من بعض زوايا المسجد رجل عارف سالك ولكم النصر اباذي لكمة ، وقال :
يا أحمق ، في ظنّك أنك صنعت شيئا حيث بعت أربعين حجّة برغيف ؟ أما سمعت أنّ أباك آدم عليه السلام باع الجنات الثمانية بحبّتين من الحنطة ؟ فقعد النصراباذيّ في زاوية ، وأدخل رأسه في جيبه من الخجالة .
نقل أنّه كان على جبل الرحمة في الحجاز ، فعرضت له عارضة الحمّى ، وكان حرّا عظيما ، وكان هناك شخص من العجم ، قد خدم الشيخ في بلاد العجم ، فجاء إلى الشيخ ، فرآه في كرب الحمّى وكرب حرارة الشمس ، فقال :
هل تشتهي شيئا ؟ قال الشيخ : نعم ، شربة من الماء البارد . قال الرّجل : تحيّرت في كلامه ، إذ علمت أنّه لا يوجد هناك ماء بارد ، ولكن رجعت من عنده ، وبيديّ إناء ، إذ رأيت قطعة غيم قدر ترس قد ظهرت وأمطرت على مثل الثلج ، فجمعته ، وجعلته في الإناء ، وأتيت به إلى الشيخ ، وعلمت أنّه من كرامات الشيخ رحمه اللّه ، قال الشيخ : من أين هذا ، في هذا المكان ؟ ذكرت له صورة
تذكرة الأولياء — صفحة 740
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٧٤٠