بأبي عثمان ! وكم تشتغلون عنّا بأبي عثمان ! فحضرت اليوم الثاني حدّثت ، وكنّا في تدبير أن نخبر هذا الشيخ ، إذ دخل علينا الشيخ بالعجلة حافيا ، وقال :
يا جماعة الأصحاب ، لما سمعتم ما سمعتم ، وحدّثتم به ، فأعرضوا عن أبي عثمان ، ولا تشوّشوه بعد اليوم .
قال أبو عبد الرحمن السّلمي : كنت عند الشيخ أبي عثمان رحمهما اللّه ، وكان رجل ينزح الماء من البئر بالدّولاب ، ونحن نسمع من الدولاب صوتا ، فقال أبو عثمان : يا أبا عبد الرحمن ، أتدري ما يقول الدولاب ؟ قلت : لا .
قال : يقول اللّه ، اللّه « 1 » .
ثم قال : من يدّعي السماع ، ولا سماع له من أصوات الأطيار « 2 » ، أو صرير الباب ، أو هبوب الريح فهو كاذب في دعواه .
وقال الشيخ أبو عثمان رضي اللّه عنه : إذا استقرّ العبد في مقام الذكر فإنّه يصير كبحر تخرج منه أنهار وسواق ، وتجري إلى الأطراف والجوانب ، وذلك بحكم اللّه تعالى ومقتضى حكمته ، ولا يكون فيه حكم لغير اللّه تعالى ، وحينئذ فهو يرى الكون كلّه بنور الذكر ، ولا يخفى عليه شيء من عالم الملك والملكوت ، والسماوات والأرضين ، حتى إذا تحرّكت نملة في حجرتها ، فإنه يراها ، وحينئذ تتمّ حقيقة التوحيد ، وتحصل له من الذّكر حلاوة ولذّة إلى أن يتمنّى الموت والفناء ، لأنّه لا يبقى له طاقة ذوق تلك اللذّة .
ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه أن الشيخ أبا عثمان رحمه اللّه لم تكن له طاقة لذّة الذكر ، وطاقته كانت تفنى أحيانا ، فكان يرمي نفسه من الخلوة إلى الخارج ويهرب .
ونقل عن الشيخ أبي عثمان رحمه اللّه أنه قال : من استأنس بالمعرفة وذكر اللّه تعالى فلا يزول أنسه بالموت ، بل يزداد بأضعاف ما كان في حياته ،
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 480 ( السماع ) .
( 2 ) في الرسالة القشيرية : من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطيور .