أقول : يشير إلى أن الجدّ والاجتهاد إنّما يكون في الشباب ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« اغتنم خمسا قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك . . . » الحديث « 1 » . [ واللّه أعلم ] .
نقل أنه رحمه اللّه اعتزل عن الناس في ابتداء حاله عشرين سنة ، وكان يدور في الجبال والمفاوز البعيدة عن العمران ، بحيث لم يسمع في تلك المدّة صوت الإنسان قطّ حتى أذابت المشقّة والرياضة بنية جسده ، وتضيّقت عيناه حتى بقيت كلّ منهما مقدار ثقبة مسلّة ، وتغيّرت صورته الشريفة عن وضع صور الآدميين ، ثم بعد تمام عشرين سنة أمره اللّه تعالى بطريق الإلهام أن يخالط الناس ويصاحبهم ، فقال : المصلحة أن أمشي أولا إلى مكّة الشريفة ، وأزور الكعبة ، وأصاحب المجاورين هناك ، ثم بعد ذلك ألاقي من قدّر اللّه تعالى . فتوجّه إليها ، ولمّا قرب من مكّة خطر ببال المشايخ المقيمن بها : أنّ أبا عثمان جاء ، فاستقبلوه ، ووجدوه متغيّر الحال ، متبدّل الصورة ، فقالوا : يا أبا عثمان ، قد عشت عشرين سنة ، وما خالطت إنسيّا ، ولم يبق فيك من الإنسانية إلّا رمق ، والناس عجزوا في شأنك ، فأخبر لنا لماذا تهت ، ولما رجعت ، وما وجدت ، وما رأيت ؟ فقال : عجزت في حال ، فدخلت البادية ، وانقطعت عن الخلق عسى أن أقطع الأصل ، فما وصلت يدي إلّا إلى الفرع ، فناداني مناد : يا أبا عثمان ، در حول الفرع ، وكن في مقام الشكر ، أمّا قطع الأصل فليس إليك ، والحال أنّ الصحو الحقيقي ليس إلّا فيه ، فالآن رجعت كما كنت فيه . فقال المشايخ : حرام على أحد بعدك من أهل الاعتبار أن يعبر عن الصحو والسكر .
أقول والعلم عند اللّه : يمكن أن يقال : المراد بقطع الأصل قطع عرق ما سوى اللّه تعالى عن روضة القلب ، وقلعه عنه ، ولا شكّ أنّ هذا كما ينبغي لا يدخل تحت قدرة العبد واختياره ؛ بل القادر عليه إنّما هو اللّه
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه : 50 ] فلا جرم أنّه نهى عنه ، وأمره بالتفويض إليه تعالى .
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 306 عن ابن عباس ، وهو في المصنف لابن أبي شيبة 7 / 77 ، والحلية لأبي نعيم 4 / 148 ، وشعب الإيمان 7 / 263 عن عمرو بن ميمون .