تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 723

مساهمون:

ص٧٢٣
نقل أن الشيخ رحمه اللّه كان يتكلّم للناس ، ويعظهم ، وكان هناك شخص من أهل العلم ، فخطر بباله : أنّي أكثر منه علما ، والحال أنّي لا أجد مقدار القوت إلّا بمشقّة عظيمة ، وهذا الشيخ ليس كثير رسوخ في العلم ، وله هذا القبول والجاه ، وبيده أموال كثيرة . فلمّا خطر هذا بباله نظر الشيخ في الساعة إلى قنديل معلّق في المسجد ، وقال : وقعت معارضة بين الماء والدهن اللذين في القنديل ، فقال الماء للدهن : أنا أفخر منك وأشرف ، وأعزّ وأفضل ، وأنت تصدّرت عليّ واستقررت فوقي ، وما هذا إلّا على خلاف العادة . فأجابه الدهن وقال : لأنّك لا تدري ما جرى عليّ من المشقّة في الزرع والحصد والدّياس ، ثم العرض على النار ، ثم الدقّ بحجر المعصرة ، ثم العصر ، ومع هذا كلّه فإنّي أحرق نفسي ، وأنوّر المسجد للحاضرين ، فلذلك حصل لي تفوّق عليك ، وأنت لا تلحقني لا في الأوّل ولا في الآخر . أقول : قال بعض الظّرفاء في هذا المعنى :
يرى النّاس دهنا في القوارير صافيا * ولم يدر ما يجري على رأس سمسم
[ واللّه أعلم ] . فلمّا تمّ المجلس ، قام الرجل وذهب إلى الشيخ ، وحكى له الحال ، وشرع يقبّل يديه ورجليه ، ويعتذر إليه . نقل أنه قال : عجبت من رجل يكون له قميص أبيض نقيّ ، ثم يسلّمه إلى الصبّاغ ، ويعطيه الأجرة ليصبغه بالسواد . وكان الفقيه أبو الحسن حاضرا ، فخطر بباله أنّ الشيخ يقول كذا ، والحال أنّ له طيلسانا مصبوغا بالنيل ، فالتفت إليه الشيخ في الحال ، وقال : صبغ طيلساني بنيل جيء به لي من كرمان ، من وجه حلال . أقول : كان مراد الشيخ قدس اللّه سرّه من القميص إنّما هو : القلب الخالي في مبدأ فطرته عن الكدورات . والمراد بالصبّاغ إنما هو : النفس الأمّارة . وبالسواد الصّفات الذميمة لها ، فإذا سلّم الشخص قلبه إلى النفس - يعني جعله