الخيانة مع الحقّ أشدّ من الخيانة مع الخلق ؟ قلت : نعم ، ولكن كأنّ المتواجد معتقد أنّ اللّه تعالى غير مطّلع على ما في ضميره ، حيث يظهر الشوق للناس ، وحسن كمال المحبة له ، وليس كذلك ، ولا خفاء في أنّ نسبة الجهل إلى اللّه تعالى من أعظم الذّنوب ؛ بل هي توجب الكفر بخلاف الغيبة مع اعتقاد الحرمة .
[ واللّه أعلم ] .
نقل أن الشيخ رحمه اللّه أبا عمرو قد عهد مع اللّه تعالى أن لا يسأل منه إلّا رضاه ، وكانت له بنت ، كانت زوجة الشيخ [ أبي ] عبد الرحمن السّلمي « 1 » رحمه اللّه ، وعرضت لها عارضة إسهال عجزت الأطباء عن معالجتها ، فقال الشيخ عبد الرحمن لامرأته : إن علاج دائك عند أبيك لو أذن . قالت : كيف ؟
قال : إنّ لأبيك عهدا مذ أربعين سنة أن لا يسأل اللّه إلّا رضاه ، فإنّه لو نقض العهد ، وسأل اللّه تعالى أن يعافيك لعافاك . قال : فذهبت إليه ليلا في محفّة ، فقال لها أبوها متعجّبا : يا ابنتي ، ما جئت إلينا مذ عشرين سنة ، فأيّ شيء جاء بك الليلة ؟ فأخبرت له الحال ، وقالت : لي أب مثلك ، وبعل هو إمام في وقته ، وإنّي أحبّ الحياة لأسمع منك ومن بعلي أمورا تنفعني في ديني ، وترغّبني في ذكر اللّه تعالى ، فأتيتك لعلّك تسأل اللّه تعالى أن يعافيني ويشفيني . فقال الشيخ أبو عمرو رحمه اللّه : أمّا نقض العهد فلا يجوز ، وأما طلبك الحياة ، فإنّك إن لم تموتي اليوم تموتي بعده البتّة ، والموت للذي يموت خير من حياته ، واعلمي أيضا أنّي إن أنقض العهد لأجلك كنت أنت شرّ الولد ، فلا توقعيني في المعصية ، واصطبري ، لعلّ اللّه يشفيك يا ابنتي ، ودعيني فظنّي أنّ أجلي قريب .
وقال : إن قدّر اللّه تعالى موتك قبل موتي ، فأنا أحضر جنازتك ، وأصلّي عليها .
فهي ودّعته وخرجت إلى بيت زوجها ، فما وصلت إلى البيت إلّا صحيحة طيّبة ، وقد زال العارض عنها بالكلّية ببركة صدق أبيها رحمه اللّه ، حتى عاشت بعد وفاة أبيها أربعين سنة .
هامش
( 1 ) في طبقات الصوفية 454 ، ومناقب الأبرار 812 أن أبا عمرو بن نجيد جدّ أبي عبد الرحمن السّلمي .