الناس أرض بكلّ أرض * وأنت من فوقهم سماء « 1 »
[ واللّه أعلم ] .
نقل أنّ مسافرا نزل بالخانقاه ، وعلى رأسه شملة سوداء ، وعليه خرقة سوداء ، فركع ركعتين ، واطمأنّ في مكانه ، فالتفت الشيخ إليه ، وقال : يا أخي ، لم لبست الأسود على الرأس والجسد ؟ قال المسافر : وذلك لأن آلهتي قد ماتت ، فلبست الأسود في عزائها . وكأنه أشار إلى الهوى وميول النفس ، كما قال اللّه تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الجاثية : 23 ] فأمر الشيخ بإخراجه بإهانة وتحقير ، ثم أمر بردّه ، وهكذا إلى أربعين مرة أخرجوه بالإهانة والتحقير ، ثم طلبوه ، وهو لم يتغيّر قطّ ، ثم قام الشيخ إليه ، وقبّل بين عينيه ، واعتذر إليه ، وقال : لبس الأسود سلم لك . وأعزّه وأكرمه .
نقل أن الصوفيين قصدا زيارة الشيخ من مكان بعيد ، فلمّا دخلا مدينة شيراز ، قصدا منزل الشيخ ، ولم يجداه هنالك ، وقيل لهما : إنّ الشيخ ذهب إلى الملك يومئذ عضد الدولة . فحصل لهما إنكار على الشيخ ، وتأسّف على مقاساة الشدائد في المجيء إليه ، وندامة عظيمة في قصد زيارته ، ولكن اتّفقا على أن يدخلا في السوق لأجل إصلاح الخرقة التي لأحدهما ، ويسافرا من هناك بلا توقّف ، فدخلا السوق ، وذهبا إلى خياط ، والتمسا منه خياطة خرق الخرقة ، ثم اتّهمهما الخياط بسرقة مقراض ، وذهب بهما لباب عضد الدولة ، وأعلمه بما جرى ، فعضد الدولة أمر بقطع أيديهما ، فاطّلع الشيخ محمد بن الخفيف رحمه اللّه على ذلك ، وأشار إلى الملك بالتوقّف ، واعتذر عنهما إليه بأنهما بريئان عن هذه التهمة ، لأن أثر الصلاح والتصوف يلوح عليهما ، وشفّعه الملك فيهما ، وصفح عنهما ، ثم قال لهما الشيخ : إخواني ، رحمكم اللّه ، ظنّكما فيّ ما كان خطأ ، ولكن تقرّبي إلى الملك ، ومجيئي إليه إنّما هو لأجل
هامش
( 1 ) البيت للداعي بن محمد العلوي أبو البركات ، انظر حماسة الظرفاء من أشعار المحدثين والقدماء للعبد لكأني الزوزني ، 2 / 277 ، وهو في ديوان المعاني 1 / 27 من غير عزو .