وتوضّأت ومضيت ، ولم أحتج إلى الماء إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ثم لمّا رجعت ووصلت بغداد ، وكان يوم الجمعة ، ودخلت الجامع ، رآني الجنيد رحمه اللّه ، وقال : لو اصطبرت لكنت تشرب الماء من تحت قدميك .
قال : سمعت أنّ شيخا وشابا قد اشتغلا بالمراقبة « 1 » بمصر ، فقصدتهما ، ودخلت مصر « 2 » ، وأتيتهما ، فوجدتهما قاعدين مستقبلين القبلة . فسلّمت عليهما ثلاث مرات ، ولم يلتفتوا إليّ ، فقلت : أقسم عليكما باللّه أن تردّا عليّ الجواب . فالشابّ رفع رأسه ، وقال : يا بن الخفيف ، الدنيا قليل ، ولم يبق من هذا القليل إلّا القليل ، وليس نصيبنا من هذا القليل إلّا قليل ، فعليك يا بن الخفيف في هذا القليل بكسب الكثير ، ولعلّك فارغ ، فتلفت إلى السلام علينا .
فقال هذا ، وأدخل رأسه في جيبه ، واشتغل بالمراقبة كما كان ، وقد كنت أنا عطشان جائعا ، فسبتهما ، ومكثت إلى أن صلّيت الظهر والعصر معهما ، ثم استوصيتهما ، فقال الشابّ أيضا : يا بن الخفيف ، نحن أصحاب المصيبة ، فأين لسان التكلّم حتى نوصيك ؟ فبقيت عندهم ثلاثة أيام ، فلا أكلنا ولا طعمنا ولا نمنا ، وكنت أفتكر في شيء أقسم عليهما به ، لعلّهما يوصياني بوصية ، فرفع الشابّ رأسه ، وقال : اطلب صحبة شخص رؤيتك إيّاه تذكّرك اللّه عند رؤيته ، ثم تقع هيبته في قلبك ، وبلسان الفعل يوصيك لا بلسان المقال . فقلت :
يا عبد اللّه ، حسبك هذه الوصية . فرجعت وما صد عنهما « 3 » بعد .
نقل أنه قال : كنت بأرض الروم ، فخرجت إلى الصحراء يوما ، رأيت جماعة من أهل الروم أتوا براهب صار من كثرة الرياضة كالخلال « 4 » ، وجمعوا حطبا ، وأحرقوا الراهب حتى صار رمادا ، ثم أخذوا رماده وسقوا المرضى ، وكحّلوا به أعين العميان ، فبرئوا بقدرة اللّه تعالى ، وطابت الأعين ، وأنا في
هامش
( 1 ) في الأصل : بالمرافقة ، وانظر تتمة الخبر .
( 2 ) كذا الأصل ، والخبر في تهذيب الأسرار 104 ، ومناقب الأبرار 827 : فدخلت صور .
( 3 ) كذا في الأصل ، ولعله : وما سمعت عنهما بعد .
( 4 ) الخلال : العود يجعل في لسان الفصيل لئلا يرضع ، أو العود مطلقا .