تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 667

مساهمون:

ص٦٦٧
مثل هذا الشأن . فأمسك الصوفيان بذيله ، وتابا علي يده ، ولازماه إلى آخر العمر ، وهذا دليل على أنّ من لم يتعلّق برجل من الرجال ، ولم يتشبّث بأذيال همّته ، تقطع يده ؛ بل رأسه . نقل أن مسافرا نزل بالشيخ ، وكان مريضا بالإسهال ، والشيخ رحمه اللّه هو بنفسه تولّى خدمته ، وبالليل ما نام ، ولا يغفل عنه لحظة ، وكم مرّة يجيء إليه بطاس ليسهل فيه ، ويصبّه في المزبلة ، حتى أنه في السحر غفل عنه لمحة ، فصاحه المسافر المريض وقال : لعنك اللّه يا فلان ، حيث غبت عنّي . فقام إليه الشيخ معتذرا ، وطيّب خاطره ، وقرّب إليه الطاس ، فقال بعض الأصحاب : يا شيخ ، لم فعلت هكذا ؟ وهو تكلّم بكلام قبيح ، وأنت تصبر عليه وتخدمه ! قال الشيخ : ماذا قال المسافر ؟ قالوا : قال : لعنك اللّه . قال الشيخ : أنا ما سمعت إلّا رحمك اللّه . نقل أنه قال : خلق اللّه تعالى العصمة والكفاية والجهد ، وخلق الملائكة ، وخيّرهم بين الثلاثة ، فاختاروا العصمة . أقول : العصمة كما قيل ملكة في النفس ، تمنع صاحبها عن المعصية ، والدليل على عصمة الملائكة قوله تعالى في حقّهم :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] وخلق الجنّ ، وخيّرهم بين الأمور المذكورة ، فأرادوا أن يختاروا العصمة ، قيل لهم : إنّ الملائكة سبقوكم فيها ، فاختاروا الكفاية . أقول : ولذا لا يتكلّفون في تحصيل معيشة ، ولا يتعبون ، بل اللّه يرزقهم ما يشاء حيث يشاء ، ثم خلق اللّه الإنسان ، وخيّرهم ، فطلبوا العصمة ، فقيل : سبقتكم الملائكة بها ، فطلبوا الكفاية ، فقيل : الجنّ سبقكم بها ، فما بقي إلّا الجهد في الاكتساب ، فاختاروا ذلك . [ واللّه أعلم ] . قال : الصوفي من لبس الصوف على الصفا ، وأذاق الهوى طعم الجفا ، ونبذ الدنيا وراء القفا .